إن الانتحار ضد الإيمان بالله، فإيمان المؤمن يحمل الأمل في نفسه في الله جلَّتْ قدرته.. يحمل الأمل في رحمته وفي تفريجه الكروب.. والأزمات عند اشتدادها. والذي يُقدم على الانتحار من الشباب، والرجال، والنساء، يتملَّكه اليأس من الحياة.. وتُظلِم الدنيا في وجهه. واليائس لا يكون صاحب أمل.. وبالتالي لا يكون مُؤمنًا بالله. وهذا الانتحار جريمةٌ أخرى تُضاف إلى جرائم الإنسان السابقة.. الذي يُحاول الانتحار. وليست تكفيرًا عن جريمة باشَرَها المنتحر ـ كالفاحشة التي باشرتها السائلة ـ وليس أيضًا تطهيرًا منها. ...
والسائلة عزَّ عليها أن تَفقد ولدها المحبوب عندها إلى غير رجعة.. عزَّ عليها أن لا تراه وقد كان مِلْءَ بَصرها.. وأن لا تسمع صوته في الحديث معها، وقد كان مِلْءَ السمع منها، وصارت تُباشر حلم اليقظة: في أن تراه وأن تَضمه إلى صدرها، كما كانت تفعل في حياته معه، أيْ صارت لها أُمنية في أن تراه وتسمعه، ولكنها ـ كما تُعبر ـ لمَّا باشرت الخطيئة، وهي مَمقوتة عند الله، واعتقدت أن الله سيُعاقبها على هذه الخطيئة بحِرْمانها من أن تلتقي بولدها في الآخرة بعد بعْث الأموات من قُبورهم: ضاقت نفسها.. واشتدَّ حُزنها.. وكثر خوفها، وأثَّر ذلك كله على صحتها وعلى نفسها فاعتلَّ بدَنُها.. وأظلمتْ نفسها من داخلها.. وتصوَّرت ما تصورته.. واعتقدت ما اعتقدته.. وكل يومٍ يزداد اعتلال البدن وتزداد ظلمة النفس، فكان المَيْل إلي اليأس من الحياة.. وكان التفكير في الإقدام على الانتحار.