وهنا عامل آخر وراء ذلك العامل الذي ينزل به. وهو عامل التفتيت والتجزئة لما تبقَّى للمالك من مال، بعد وفاته. وهو عامل الإرث. وآيات الميراث التي تأمر بقسمة المال على ورثة المتوفَّى المالك له ـ كتلك الآية السابقة ـ تنشُد عدم تكديس المال وإبقائه في يد واحدة، حتى لا يصبح عامل خطر على الآخرين، بدل ما هو مصدر منفعة للجميع. إذ نظرة الإسلام التي يوحي بها قوله تعالى: (واللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الذِينَ فُضِّلُوا بَرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ) (النحل: 71) . تفيد أن المال المملوك لواحد تتعلَّق بمنفعته حقوق لمَن لا يملكون معه في المجتمع.
وخطر المال عند تكديسه قد يتمثَّل في اكتنازه وعدم تداوله. وقد يتمثل في احتكار السِّلع عن طريقه. وقد يتمثّل في التحكُّم به في مجال العمل. أي أنّه قد يصبح مصدر نفوذ واستغلال. أي أنه يتحوّل إلى نظام رأس مالي.
فإذا دخل عامل الإرث على نحو ما جاءت به الشَّريعة الإسلامية، ووزّع المال الوفير الموروث على كثيرين من أصحاب القروض ومَن يتبعهم في الحقوق من أصحاب القَرابة. فإن خطره على المجتمع يزول، أو يضعُف على الأقل. وبذلك يكون الإرث في الإسلام وقاية من الطغيان بالمال. بينما نظام الإرث في مجتمعات الحضارة المعاصرة يساعد على بقاء القُوّة للمال وبالتالي على بقاء خطره في التكديس والتجميع؛ لأن نظام تلك المجتمعات في الإرث ينقل مال المتوفَّى إلى واحد هو الولد الأكبر، أو إلى أقل عدَد ممكن، احتفاظًا للأسرة بجاهِها المُسْتَمَدّ من قوة المال. وبذلك يُبقي على النزعة التي تتخذ من المال سيطرة، ودرعًا في استعراض القوة في حلية المنافسة الأُسرِيّة.