وهذه الظاهرة وإن كانت طبيعية، أي ترتَبِط مراحلها وحلقاتها بأسباب يُشاهد وجودها في الطبيعة التي نعيش فيها، إلا أن هذا الارتباط وتوالي حلَقاته أو مراحله هو من الله ـ سبحانه وتعالى ـ وَفْق إرادته وحِكْمته. فإرادة الله في الخلْق والإيجاد هي التي تكون ما يُسَمَّى بالقوانين الطبيعية، كما هي نفسها التي تُؤَصِّل الظاهرة الاجتماعية وما يتعلَّق بالمجتمع البشري في قيامه أو فنائه. ونسبة الظواهر الطبيعية إلى قوانينها لا يمنع مردَّها أخيرًا إلى الإرادة الإلهية في تكوينها.
والعلماء لا يتحكَّمون في الطبيعة، بقَدْر ما يُحاكون ظواهرها بعد أن يدرسوا هذه الظواهر وأسبابها والترابُط بين أجزاء الظاهرة الواحدة. فهم في ظاهرة الغيوم والضباب أو السحاب ـ بعد أن وقفوا على أسباب تجمُّعها أو تفرُّقها، أو بعبارة أخرى بعد أن وقفوا على عوامل سقوط المطر وعدم سقوطه ـ يُمكِنُهم أن يُحدثوا من عوامل التحريك كالموجات الصوتية القويّة ما يفرِّق السحاب أو يُطارده إلى أعلى فلا يُسقِط مطرًا، ويكون الجو عندئذٍ غير مُمطِر، ويمكنهم كذلك أن يُحدثوا من هذه العوامل ما يجمع السحاب بحيث يلتقي بعضه ببعض، في بعض المواقع، ثم يسلِّطوا عليه بعض العوامل الكهربائية فيسقط رذاذًا أو مطرًا في هذه المواقع، ويكون الجو بذلك ممطرًا.
وهذه المحاولات التي يُحاكيها العلماء في شأن المطر مما يسمُّونه"تحكُّمًا"وإن كانت حتى الآن في نطاق ضيِّق إلا أنها ممكِنة، ومباشرة الإنسان إياها لا يتعارَض إطلاقًا مع إرادة الله في كونه؛ لأن الإرادة الإلهية هي تلك القوانين الطبيعية والاجتماعية نفسها. والإنسان ذاته مطالَب بالوقوف عليها وتعلُّمها.