ووجود وليِّ البنت ليس ضرورة لصِحّة عقد الزواج منها، مادامت هي رشيدة قادرة على الفصل في أمورها الخاصة. ووجود الوليّ مع البكر في الزواج هو أشبهُ بضرورة أُسريّة أو بضرورة اجتماعية. فوجوده يُعتَبَر كضمان فقط لحُسْن اختيار الزوجة لها. فهو أقربُ الناس إليها وأشدُّهم عطفًا وحُنُوًّا عليها، وأكثر منها تجربة في مجال الزوجيّة ومجال الحياة العملية على السواء. ولذا كان العُرْف ـ أو كانت العادة ـ أن يُباشِر الوليُّ عقد الزواج نيابة عنها:
أولًا: لعدم إحراجها وخجلها إذا ما عرَضتْ نفسها على زوجها بقولها:"زَوَّجْتُك نفسي".
ثانيًا: لإشعار الزوج أنه مُشارِك مع ابنته في المسؤوليّة الأدبية لهذا العقد.
ثالثًا: لاطمئنان ابنتِه ـ وهى ستُنْقَل من أسرة نمَتْ وازدهرتْ فيها إلى تجربه جديدة ترجو النجاح فيها، دون أن تَثِق بما يُخبِّئه الغد لها من متاعب وصعوبات وكأنّه بوجوده معها في عقد الزوجية يُقَدِّم لها السنَد المادِّيَّ في حياتها المُقبِلة.
وإذا استغل بعض الأولياء فرصة زواج البنت لمصالح شخصية فإن هذا البعض يكون قد أخلَّ بما يجب عليه نحو ابنته من المحافظة على مصلحتها التي اؤتُمن عليها. وفي الوقت نفسه يكون قد وقع تحت تأثير الهوى وإغراء المنفعة المادِّيّة. والإسلام إذ يمكِّن البنت من اختيار زوجها دون حاجة إلى ولاية أُسريّة أو رسمية يُعطيها الفرصة لحُسن الاختيار مع تحمُّل المسؤوليّة الكاملة، ثم من جهة أخرى يعطيها الحقَّ في منع استغلالها من جانب وليِّ أمرها أو من جانب أي شخص آخر.
أمّا الوالد المستغِلّ ـ أو وليّ الأمر المستغِلّ ـ فالله وحده هو الذي سيسأله عن ذلك، ويَجزيه على إساءته بالسوءى.