وقد وقع ذلك للمؤمنين فقط على عهد الرسول ـ عليه السلام ـ في يوم من أيام قتالهم مع الأعداء ليكونَ عِبرةً لهم، وسجَّله كتاب الله في قوله: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ"أي عندما كان إيمانكم قويًّا"وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ) (التوبة: 25) ..
ونعم أيضًا إن الدنيا إذا تمكَّنت مِن نفوس الأعداء كانت الهزائم حقًّا مِن نَصيبهم مهما ظاهَرتْهمُ القوة المادية؛ لأن مثل هؤلاء يَعيشون لأنفسهم ولِذَواتهم فقط لا يَعرفون إلا سلامتها، والبحث عن مُتَعِها: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ) . (محمد: 12) ..
فهم لا يُعطون مِن أنفسهم لأوطانهم، كما ليست لدَيهم قيمٌ عُلْيَا يُضحُّون في تحقيقها بالنفس والمال، أو على الأقل بمُتعة النفس ورفاهية المال. ومَن لا يكون مُستعدًّا لإعطاء وطنه مِن نفسه يُؤثر الهرب والفِرار عندما يُواجه القتال، ويَسلك طُرق الحِيلة للفَكاك مِن ميدانه.
وهذه الظاهرة تُمثل قانونًا من قوانين الحياة البشرية التي لا تتخلَّف باختلاف العهود والأجيال وفي ذلك يقول القرآن الكريم: (ولوْ قَاتَلَكُمُ الذينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ"أيْ كان مِن شأنهم الفِرار مِن القتال"ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا ولا نَصِيرًا) . (الفتح: 22) .
"أي لا يَجدون بعد ما جُبلوا عليه في طبيعتهم من الفرار في القتال: سندًا مِن شيء آخر: مِن تدريب رفيع على القتال.. ومِن وَفْرة المُعدات النافذة في القضاء على الأعداء.. ومن إعلان المساندة من الأقوياء الماديين الآخرين."