ثانيًا: أن ما عُرِف عن هاروت وماروت في بابل كان للابتلاء والفتْنة أي كان لاختبار الناس في طاعة الله، ولذا كان يقول هذانِ الملكانِ للناس: (إنَّمَا نحنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) .
ثالثًا: أن مُمارَسة الشعوذة والسِّحْر والخُرافة من أشرار الناس ضدَّ غيرهم ممَّن يعيشون معهم لا تضرُّ أحدًا ممَّن وُجِّه إليهم استخدامُها إلا إذا كان ذلك قد صادَف إرادةَ الله وإذنَه: (وما هُم بِضَارِّينَ بهِ مِن أحدٍ إلا بإذنِ اللهِ) .
وإذن الاعتقاد الصحيح هو الابتعاد عن السحر والشعوذة، وعدم التأثر بشأنهما في الحياة وترك الفعل فيها إلى الله وحدَه، فما يُصيب الإنسان لا يُصيبه بسحر ساحر ولا بشَعوذة كاهِن وإنما بإرادة الله وإذنه.
وعلى هذا يتجنَّب الإنسان تصديق ما يقال من أن فلانة أو فلانًا عُمِل له عملٌ يحتاج إلى إزالته مِن الطريق.
وما تَصوره السائل خاصًّا بزوجته من أنها تَمرض ثم يَزول مَرضُها بتدخُّل شيخ من الشيوخ في شأنها: يرجع إلى حالة نفسيَّة تَجِدُّ عند الزوجة كلَّما قيل لها: إن فلانًا الشيخ أحضرَ"العمل"وأزالَه مِن طريقها، إذْ عندئذٍ تشعر بالشفاء والراحة النفسية، ثم تعود إليها الكآبَة مِن جديد. أما الأطباء البشريُّونَ فربما عنايتهم بالمريضة قليلة، يُشخِّصون مرضها عن احتمالٍ وليس عن تحليل، أو وسيلة عملية دقيقة أخرى.
وربما الأمر كله لدَيْها يعود إلى توهُّمٍ نفسيٍّ: أن بها مسًّا من الجِنِّ لا يَشفِيه إلا خروج الجنِّ ذاته، ومثل هذه التوهُّمات النفسية لا يَشفيها إلا قوة الإيمان بالله فهو وحده صاحب المَشيئة وصاحب الفعل، وصاحب الصراط المستقيم الذي لا يخفى على أحد في كتاب الله ومَن يَلْتجئ إلى الله بإيمان قويٍّ يَقِيهِ شرور الناس وأفعالهم، كما يَقيه النفس وتَخيُّلاتها، وهي أمور لا تَنقطع إذا أخذت طريقها إلى العُمق في النفوس.