ثالثًا: إنَّ الإسلام لا يتصوَّر أن يكون هناك مؤمنون بالله، يَجمَعون بين إيمانهم به ومودَّتهم للمُخالفين والمُنحرفين عن هذا الإيمان، مهما كانت هناك من علاقات الدَّم والقَرابة بين الطرفين: (لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤمِنونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ ورَسُولَهُ) "أي خالَف الله ورسوله فيما نقل عنهما مِن أوامر ونَواهٍ"ولَوْ كَانَوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ). (المجادلة: 22) .
ومعنى عدم تصور الإسلام لهذا نهْيُه عن أن يكون هناك توادٌّ من جانب المؤمنين للمُخالفين والمنحرِفين ورقيق الدين ومَن لا يؤدِّي فرائض ربِّه يقع في هذه الدائرة.
والمؤمن ـ إذن ـ ليس لدَيه مانع من جانب الإسلام في أن تكون له علاقة صداقة مع كافر عندما تكون هذه الصداقة الطريق للوقاية من شروره وعدوانه.
وأصلًا هو مَمنوع من مدِّ هذه الصداقة إلى كافر، دون إخوانه المؤمنين كما هو ممنوع من مباشَرة التوادِّ مع مُخالف منحرِف عن دين الله، مهما كانت هناك مِن روابط القَرابة القريبة بينهما.
وهذا التوجيه قُصِدَ به أن يكون المؤمن في حَيْطة وحَذَر، ممّا قد يُدَبَّر له مِن أعدائه، وأعداؤه في واقع الأمر دائمًا هم الكافرون بما يؤمن به، والمنحرِفون عن دين الله واتباع تعاليمه، ولم يقصد به إطلاقًا أن يُعَبَّأ المؤمن به بعَداوة الآخرين أو بتدبير الانتقام منهم لكُفرهم وانحرافهم؛ لأنَّه يطلب منه أن يكون في سلام معهم طالمَا يُسالِمونه: (وإِنْ جَنَحُوا للسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) . (الأنفال: 61) .