فهرس الكتاب

الصفحة 878 من 1424

على ضوء انشراح صدره من الله لها. ...

وأما إرادة الله في ضلال مَن يكفر فهي أن يجعل صدره ضيِّقًا حرَجًا (وَمَنْ يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كأنَّمَا يَصَّعَّدُ في السماءِ) وإرادة الكافر لكُفْره تتمثل في أن يَضيق صدره بذكر الله ولا يرى إشعاع هدايته فيَظل في ظلام الضلال والحَيْرة. وحساب الله للإنسان على كُفره أو على هدايته وإيمانه لأنه استجاب باختياره للإيمان، أو لأنه لم يستجب أيضًا باختياره فظل على كفره وضلاله، فهو له إرادة في كِلْتَا الحالتين بجانب إرادة الله جل شأنه.

أما الشقُّ الثاني من السؤال الأول وهو أنه: لماذا جعل الله الإنسان منذ ولادته في كبَدٍ، أي في مشقة وتعبٍ؟

فالمشقة التي يعيش فيها الإنسان منذ ولادته هي مشقة الصراع النفسي الداخلي بين غرائزه كمصدر للهوى والشهوة، وعقله كمصدر للتوجيه حسَب رسالة الله وما جاء فيها، وهذا الصراع هو الذي يُوزِّع الناس إلى طغاة أو إلى وُلاةٍ خاشعين (فأمَّا مَن طغَى. وآثَرَ الحياةَ الدنيا. فإنَّ الجحيمَ هيَ المَأْوَى. وأمَّا مَن خافَ مقامَ ربِّه ونهَى النفسَ عَنِ الهوَى. فإنَّ الجنَّةَ هيَ المأَوَى) (النازعات:37ـ 41) مطلوب من الإنسان حسب رسالة الله أن يُجاهد نفسه، ومعنى جهاد النفس جهاد الهوى والشهوة حتى لا يَطغَى الإنسان عن طريق شهوته وهواه. وهنا الإنسان مِن أجلِ هذا الجهاد في كبَدٍ ومشقة؛ لأنه ليس من السهل أن يتحكَّم في شهوته فيَعفّ عن الزنا والمنكرات، وليس من السهل أن يتحكم في هواه فيتجنَّب قتْل النفس التي حرَّم الله قتلها كما يَتجنب الظلم والاعتداء على الآخرين. والمشقة إذًا التي وُلد فيها الإنسان ويعيش فيها إلى مَماته ليست مشقة السعي في سبيل الرزق، بل هي تلك المشقة النفسية التي يُصارع فيها الإنسان نفسَه الأمَّارة بالسوء، والنفس الأمارة بالسوء هي النفس التي يُسيطر عليها الهوى وتسيطر عليها الشهوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت