ولكي يَدُلَّهم القرآن على وسيلة نافذة في تَحوُّلهم مِن وَضْعهم القائم وهو وَضْع المُستكبر بسبب الزعامة، ووَضْع المخادِع المروِّج للباطل في صورة الحقِّ، ووضع المنافِق الذي ينصح غيره بما لا يتبعه هو إلى وَضْع المُطيع لله وحده. والمُتَّبِع لدِينه وهو الدين السويِّ والمنهج المستقيم في الحياة .
أمرهم بأن يستعينوا بالصبر وبالصلاة: (واسْتَعينُوا بالصَّبْرِ والصَّلاةِ) .. فالصلاة هي عنوان الطاعة لله وحده، وبالصبر على أدائها يتجاوزون المَشقّة النفسيّة التي سَيشعُرونَ بها عندما يَنتقلون مِن الزعامة إلى أحادٍ بين المؤمنين ثُمَّ أعلن أن هذا التحول من الكفر إلى الإيمان ليس بالأمر اليسير على أصحاب الرِّياسة والزعامة في أقوامهم. فعبَّر عن هذا التحول بالصلاة: (وإِنَّهَا لَكَبيرَةٌ) لأنَّها شعار الإيمان وعنوانه.
ثم استثنى من مَشقّة التحوُّل عن طريق الصلاة أولئكم الضُّعفاء أو المستضعَفين في مجتمعاتهم لأصحاب الرياسة فيها، فقال: (إِلاَّ عَلَى الخاشِعينَ) أي إلا على أولئكم الضعفاء التابعين الذين ليستْ لهم مصلحة في البقاء على الكفر والدنيا لم تَنَلْ من نفوسهم؛ ولذا لا يُنكرون الآخرة إنكارًا قويًّا كما يصنع الكبراء فيهم بل هم قَريبون من الإيمان بها: (الذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعونَ) (البقرة 46) .
فالصلاة التي ذُكِرَتْ في الآية هي بمَثابة الشعار للإيمان والآية تُريد أن تقول: إنه يصعُب على الماديِّين ـ وبالأخصِّ الزعماء فيهم ـ أن يتحوَّلوا إلى الإيمان؛ إذْ في تحوُّلهم مشقّة كبيرة على نفوسهم، وبنو إسرائيل ـ وبالأخصِّ الزعماء فيهم ـ قد طغى عليهم اتجاه المادِّية، وإذن انتقالهم إلى الإيمان بالقيَم الإنسانية فيه كَبيرُ عَنَتٍ ومَشَقّة لهم.