إنه لكي يكون الإنسان عابدًا لله يجب أن يفكر في الله، والتفكير في الله يستلزم أن يَغُضَّ المفكِّر فيه بَصَرَه عن أن يقع على مُحرَّم فضْلًا عن تركيز النظر فيما تَحرُم رؤيته، فكيف بمُباشرة الفاحشة وكشفِ السِّرِّ عمَّا لا يُباح كشْفه إلا بعهد ومِيثاق مع الله، والله إذ يقول لرسوله الكريم: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إليكَ مِنَ الكتابِ وأَقِمِ الصلاةَ إنَّ الصلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللهِ أكبرُ واللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت:45) فيَأمره بإقامة الصلاة ثم يُؤكد له أن الصلاة تُبعد المصلِّيَ عن الفاحشة وهي الزنا، وعن المُنكَر وهو ما يستقبحه الناس مِمَّا عداه، فيأمره ويُؤكد له، وهو على علْم بمَا يأمر وبما يُؤكد وصادق فيما يأمر ويؤكد، مِن أن الصلاة تَنهَى عن الفحشاء والمنكر، فإذا أقام الصلاة وأدَّاها في أوقاتها مَن يُعلن إيمانه بالله ثم وجد أنه لم يَنتهِ عن الفحشاء بأدائه الصلاة، بل هو مستمر في مباشرتها، فليَعلَمْ أن الخطأ ليس في ربط تجنُّب الفاحشة والزنا بأداء الصلاة، وإنما بنوع الصلاة التي تُؤدَّى، فالسائل هنا عندما يُؤدي الصلاة يُؤديها ركوعًا وسجودًا، يؤديها شكْلًا ومَظْهرًا، ولكن لا يُؤديها قُرْبَى إلى الله، فيَستحضر فيها جلال المولَى في النِّيَّة وفي القراءة وفي الركوع وفي السجود، ومِن ثَم تتكون لدَيْه الخشْية من الله، وعن وجود الخشية من الله في نفس المُصلِّي يبتعد عن الزنا والفاحشة والمنكر بقوة الإرادة التي تَحمله على عدم الانحراف في السلوك. ...
والصلاة هي الحِصْنُ الذي يحتمي فيه الإنسان عند مُجاهدة النفس، ومُجاهدة النفس الوقوف في وجه شهواتها وأهوائها، هي الوقوف في الصراع الداخلي في النفس ضد هذه الشهوات والأهواء، إذِ النفس البشرية من خصائصها أنها أمّارةٌ بالسوء تحمل على مسلك السوء واقتراف المَعاصي والفواحش والمُنكرات، وعلى صاحب هذه النفس الأمارة