المصادرة- من أهل الفساد؛ حيث أجزنا المعاقبة بذلك.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - كما بسط ذلك في مواضع من فتاويه -في المجلد التاسع والعشرين أكثر من فتوى بسط فيها هذه المسألة، وفي غيرها أيضًا (1) -.
وإن كان صاحبها لم يتب، بل هو مستتر في ارتكابه للمعصية، وهي المتاجرة بالحرام؛ فالواجب على المسلمين الحسبة عليه، وواجبٌ على ولي أمر المسلمين الأخذ على يده، وجائزٌ في ذلك مصادرة ماله على أصح أقوال أهل العلم، من قِبَلِ ولي الأمر المسلم.
فالخلاصة: أنه إذا تبرع تجار الخمور والمخدرات بشيء من أموالهم للجهاد في سبيل الله تعالى؛ جاز قبول ذلك منهم وصرفه في الجهاد في سبيل الله، مع وجوب استمرار دعوتهم ودعوة سائر الخلق إلى طاعة الله تعالى والتوبة إليه بترك المنكرات واجتناب المحرمات، فهذا احتراز من معاونتهم على المتاجرة بالحرام، والله أعلم. ولو كان المجاهدون مستغنين عن ذلك؛ فلعل تركه أفضل.
وأما سؤالكم: «وهل يجوز استغلال المخدرات التي نحصل عليها منهم في: (1) استدارج العملاء الساقطين المدمنين واستخدامهم كعملاء مزدوجين ضد اليهود، (2) بيعها لليهود بهدف الإضرار بهم وأخذ الأموال منهم، (3) إسقاط جنود يهود بواسطة المخدرات خصوصا من حرس الحدود؟» ..
فهذا كله لا يجوز ..
أما الأول فواضحٌ؛ لأنها وسيلة محرمة واضحة التحريم: إعطاء المخدرات والخمور للناس وإعانتهم عليها ونشرها فيهم .. فهذا كله مما نهى الله عنه وحرمه، فبأي دليل نجيزه؟! وكون أولئك المقصودين «مدمنين ساقطين» فيرُ مؤثرٍ في الحكم والله أعلم .. فإن كانوا من شباب المسلمين المحكوم لهم بالإسلام لكنهم فُسَّاقٌ بهذه الكبيرة -تعاطي المخدرات- فهذا واضح جدا، وإن كانوا كفارًا فلا يجوز أيضًا استعمال هذه الوسيلة مع الكفار على الصحيح عند عامة العلماء، وإنما رخَّص بعض أهل العلم في مسائل أخرى من هذا الباب مختلفة عن مسألتنا هذه؛ مثل تجويز أبي حنيفة - رحمه الله - التبايع مع أهل
(1) مجموع الفتاوى (29/ 239، 241، 252، 272، 273) قال -لما سُئِل عن أصحاب الحرف المحرمة-: «إذَا كَانَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَفِي مُعَامَلَتِهِمْ شُبْهَةٌ؛ لَا يُحْكَمُ بِالتَّحْرِيمِ إلَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ يُعْطِيهِ مَا يَحْرُمُ إعْطَاؤُهُ. وَلَا يُحْكَمُ بِالتَّحْلِيلِ إلَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ أَعْطَاهُ مِنْ الْحَلَالِ. فَإِنْ كَانَ الْحَلَالُ هُوَ الْأَغْلَبَ لَمْ يُحْكَمْ بِتَحْرِيمِ الْمُعَامَلَةِ وَإِنْ كَانَ الْحَرَامُ هُوَ الْأَغْلَبَ. قِيلَ بِحِلِّ الْمُعَامَلَةِ. وَقِيلَ: بَلْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ» .