الحرب -الكفار الحربيين- في دار الحرب بالربا، كما ذكره أصحابه كما في «بدائع الصنائع» (1) وغيره، وخالفهم في ذلك جمهور أهل العلم، وقول الجمهور هو الصحيح، وهو المنع من ذلك مع الحربي كما هو مع المسلم ومع غير الحربي، وسواء كان في دار الحرب أو في دار الإسلام.
ومثل تجويز سحنون من أئمة المالكية فداء أسرى المسلمين بالخمر والخنزير إذا طلب الكفارُ ذلك؛ قال ابن جزي في «القوانين الفقهية» : «وإن طلب العدو في الفداء خيلا وسلاحا دفعت إليه بخلاف الخمر والخنزير وقد أجاز الفداء بهما سحنون ومنع ابن القاسم ما فيه مضرة على المسلمين ومن فدى أسيرا بخمر وشبهه لم يرجع به ولا بقيمته» (2) اهـ.
ومثل قول «شيخ الإسلام» في «الفتاوى» : إن ترك الكفار من التتر وغيرهم يشربون الخمور ويسكرون خيرٌ من نهيهم عن ذلك؛ لأن الخمر لا يصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة بل يصدهم عن الفسوق والعصيان، ولأنهم إذا صَحَوْا أفسدوا أكثرَ (3) ، كما ذكر ذلك في كتاب «الاستقامة» له، فهذا يتعلق بالأمر والنهي، ومقصوده ترك نهيهم عن ذلك لما فيه من الرجحان. والله أعلم.
وأما الثاني (رقم اثنين) : فهي مسألة بيع الخمور والمخدرات وما هو محرّم في شريعتنا للكفار بغرض الإضرار بهم .. والصحيح فيها عدم الجواز؛ فكل ذلك محرم؟، مشمول بالنهي عن بيع هذه الأشياء ولا فرق بين بيعها لمسلمٍ أو لكافرٍ، لا في الحرب ولا في السلم، هذا هو الصحيح كما تقدمت الإشارة.
وأما الثالث (رقم ثلاثة) : فقد تبين حكمها مما سبق، وهو أيضا المنع وعدم الجواز، هذا هو الأصل: تحريم بيع الخمر ونحوها للكفار الحربيين، وتحريم استعمالها في العطايا لأهل الحرب بغرض التجسس واصطنعا أناس منهم، فهذه كلها وسائل محرمة، لا تجوز.
والأدلة على ذلك:
-عموم أدلة تحريم بيع الخمر ونحوها، وتحريم إعطائها ومناولتها وسقيها لمن يشربها وحملها إليه ..
(1) قال الكاساني: «إذَا دَخَلَ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ؛ فَعَاقَدَ حَرْبِيًّا عَقْدَ الرِّبَا أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ - رحمهما الله -، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَسِيرًا فِي أَيْدِيهِمْ أَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرْ إلَيْنَا؛ فَعَاقَدَ حَرْبِيًّا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ إلَّا مَا يَجُوزُ لَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ» . بدائع الصنائع (7/ 132) ، وانظره في: (5/ 192) .
(2) القوانين الفقهية (ص 102) .
(3) قال شيخ الإسلام: «مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم» المستدرك على مجموع الفتاوى (3/ 207) .