فهرس الكتاب

الصفحة 1019 من 1908

ودليل هذه المسألة الحديث المشهور الثابت في الصحيحين من رواية أنس بن مالك وغيره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطى غنائم حنين للمؤلفة قلوبهم من مُسلِمة الفتح ولم يقسمها بين الجند ولم يعط الأنصارَ -وهم معظم الجيش- شيئًا حتى وجدوا في نفوسهم وقالوا كلمتهم المشهورة: «يغفر الله لرسول الله يعطي قريشا ويمنعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم» (1) القصة المعروفة.

وجه الدلالة: أن الجيش كانوا مستحقين للأربعة أخماس بلا شك.

وقد كانت شريعة الغنائم -الأنفال- قد تقررت قبل ذلك بأعوام، بلا خلاف.

ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى مصلحة عظيمة في منع المقاتِلة منها وصرفها في مصلحة الدين.

وقول مَن قال من العلماء: إنه أعطاهم من الخمس ضعيفٌ جدا، وأضعف منه وأوهى القول بأنه من خمس الخمس .. بل الصحيح الظاهر جدا أنه أعطاهم من أصل الغنيمة، بل الغنيمة كاملة، ولم يعط الأنصار شيئا كما هو نصّهم .. ولا دليل على أنه استرضاهم، بل القصة تدل على خلافه، وكونه وكلهم إلى إيمانهم فليس هذا معنى الاسترضاء في الحقوق.

ومن أدلة هذا الرأي الذي قلتُ إنه الراجح ما ثبت في «صحيح مسلم» عن عوف بن مالك - رضي الله عنه - قال: قتل رجلٌ من حمير رجلا من العدو فأراد سلبه فمنعه خالد بن الوليد وكان واليا عليهم، فأتى رسولَ الله (عوفُ بن مالك فأخبره فقال لخالد: ما منعك أن تعطيه سلبه؟ قال: استكثرته يا رسول الله. قال: ادفعه إليه. فمر خالد بعوف فجرّ بردائه ثم قال: هل أنجزتُ لك ما ذكرت لك من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فسمعه رسولُ الله (فاستغضب فقال:(لا تعطه يا خالد لا تعطه يا خالد .. هل أنتم تاركون لي أمرائي؟! إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعي إبلًا أو غنمًا فرعاها ثم تحين سقيها فأوردها حوضا فشرعت فيه فشربت صفوه وتركت كدره فصفوه لكم وكدره عليهم) (2) اهـ.

(1) صحيح البخاري (3147) ، وتمام الحديث عن أنس بن مالك، أن ناسا من الأنصار قالوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حين أفاء الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- من أموال هوازن ما أفاء، فطفق يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يعطي قريشا ويدعنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس: فحدث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قبة من أدم، ولم يدع معهم أحدا غيرهم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «ما كان حديث بلغني عنكم» . قال له فقهاؤهم: أما ذوو آرائنا يا رسول الله، فلم يقولوا شيئا، وأما أناس منا حديثة أسنانهم، فقالوا: يغفر الله لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يعطي قريشا، ويترك الأنصار، وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إني أعطي رجالا حديث عهدهم بكفر، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعوا إلى رحالكم برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به» ، قالوا: بلى يا رسول الله، قد رضينا، فقال لهم: «إنكم سترون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- على الحوض» .

(2) صحيح مسلم (1753) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت