ما عندهم من الخيرِ والحسناتِ والعمل الصالح والإحسانِ والجهاد في سبيل الله ونصر الدين والقيامِ بما عرفوا وما أمكنهم القيام به منه .. فهذا لا يتضمن إقرارنا إياهم على أي باطلٍ لا جملةً ولا تفصيلًا، وكونُ بعض الناس قد يتوهَّمُ ذلك من صنيعنا فإننا غيرُ مسؤولين عنه ولا يضرُّنا، ويُوشِك أن توجَد فرصةٌ لإصلاح وهمه في مناسبةٍ من المناسبات فيعرف ويفقه، فلِمَ العجلةُ، ولماذا نترُك الخيرَ في الثناء على أهل الخير أهل الجهاد والوقوف معهم وتأييدهم ونصرهم والتنويه بهم في الأمة، والأمةُ وأجيالها محتاجةٌ إلى ذلك أشدَّ الحاجةِ، بحجةِ أنه قد يتوهّم بعضُ الناسِ أننا نثني على ما عندهم من الباطل؟! هذا ليس من الفقه ولا من الحكمة، والله أعلم، وهو سبحانه الموفق لما فيه الخير والفلاح.
ولذلك أذكّركم - وفقكم الله - بأن لا يغيبَ عنكم أن تصرّفات المجاهدين ملحوظٌ فيها الاعتبارُ السياسيّ؛ فأنتم تقترحون أن نصدر بيانا شافيًا تفصيليًا باعتقاداتنا في سائر المسائل وأن نردّ البدعَ والضلالات كلها، فنقول: إن تبيان عقائدنا حاصِلٌ كما قدّمنا ويحصُلُ بحسب المناسباتِ، وهذه في الحقيقة طريقة القرآن والسنة: العلمُ والحكمة بحسب المناسبات، وأنه يكفي أحيانًا بيانُ الحقِّ والأمرِ الصحيح الصواب عن ذكر الباطل والتصريح به ورَدّه؛ فإن الحق مزهِقٌ للباطل، ونفسُ معرفة الحق ماحقةٌ للباطل، فإذا انضاف إليها ما أشرنا إليه من أننا قد نختارُ بعضَ السكوت للمصلحة الظاهرة الراجحة، وأننا نراعي ما لا يراعي غيرُنا ولكلٍّ مقامُهُ؛ فقد وَضُح الأمرُ، والحمد لله.
والحاصل أننا بحاجةٍ إلى تدبّر عدة مسائل تتعلق بحالنا وتمسُّ الحاجةُ إليها في زماننا وما بُلينا به، مثل مسألة السكوت عن بعض الباطل إلى حين القدرة على الإنكار والتغيير، وأن السكوت يسع ما يسع النطق، وأن القدرة من معناها ضمانُ عدمِ حصولِ منكر أكبر مما نحاولُ إنكارَه، ومسألة ترك التحديث ببعض العلم مخافة مفسدةٍ راجحةٍ، ومَنْ كتم بعضَ العلم من أجل ذلك أحيانًا، وحديث عائشة: (لولا أن قومَك حديثو عهدٍ بجاهلية) (1) ، وأن من المشروع في بعض الأوقات والأحوال تركُ بعضِ المشروع من مندوبٍ أو واجبٍ لمصلحة تأليف القلوب واتقاءَ الفتنة بين المسلمين، فيكون تركُ السنة حينئذٍ هو السنة؛ لأن مصلحة ائتلاف المسلمين واجتماعهم ووحدة كلمتهم لا سيَّما في مقابل أعداء الله الكافرين الصائلين الغازين النازلين بالعُقر أو المهددين لبلاد الإسلام، ولا سيما والأمرُ على
(1) صحيح البخاري (1586) ، صحيح مسلم (1333) .