فهرس الكتاب

الصفحة 1064 من 1908

ما وصفنا من حالنا وحال أمتنا، والله المستعان، هي مصلحةٌ كبيرةٌ جدًا تُترَك في معارَضتِها مصالحُ كبيرة ويُتحمَّل من أجلها مفسدةُ وجود واستمرار الكثير من البدَعِ والأخطاء العقدية أو العملية. ونحو ذلك من المسائل.

وأنتم تعرفون ما ذكره علماؤنا في مسائل كهذه وإني لم أشأ أن أكثر من النقل هنا حتى لا تطول الرسالةُ وتُمَلّ، ولكني أستسمحكم في نقل هذه الفقرة من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - وهي ضمن فتاوى قتال التتر؛ قال - رحمه الله:

«فإن اتفق من يقاتلهم على الوجه الكامل؛ فهو الغاية في رضوان الله وإعزاز كلمته وإقامة دينه وطاعة رسوله، وإن كان فيهم من فيه فجور وفساد نية بأن يكون يقاتل على الرياسة، أو يتعدى عليهم في بعض الأمور، وكانت مفسدة ترك قتالهم أعظم على الدين من مفسدة قتالهم على هذا الوجه: كان الواجب أيضا قتالُهم دفعا لأعظم المفسدتين بالتزام أدناهما؛ فإن هذا من أصول الإسلام التي ينبغي مراعاتها. ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة: الغزو مع كل بر وفاجر؛ فـ (إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم) (1) كما أخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار أو مع عسكر كثير الفجور؛ فإنه لا بد من أحد أمرين: إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررا في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفعُ الأفجرين وإقامة أكثر شرائع الإسلام، وإن لم يمكن إقامةُ جميعها .. فهذا هو الواجب في هذه الصورة وكل ما أشبهها؛ بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه. وثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم) (2) فهذا الحديث الصحيح يدل على معنى ما رواه أبو داود في سننه من قوله (:(الغزو ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل) (3) ، وما استفاض عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لا تزال

(1) صحيح البخاري (3062، 4203، 6606) ، صحيح مسلم (111) .

(2) صحيح البخاري (2852، 3119) ، صحيح مسلم (1873) .

(3) سنن أبي داود (2532) بلفظ: (والجهاد ماضٍ .. ) ، وضعفه الألباني، لكن قال الأرنؤوط في تخريج أبي داود: حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف .. وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: «الجهاد ماضٍ مع البر والفاجر» قال الحافظ في: الفتح (6/ 56) : «سبقه إلى الاستدلال بهذا الإمام أحمد؛ لأنه جمع ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة، وفسره بالأجر والمغنم، والمغنم المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد، ولم يقيد ذلك بما إذا كان الإمام عادلاً، فدل على أن لا فرق في حصول هذا الفضل بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل أو الجائر» . وكذلك قال ابن عبد البر في: التمهيد (14/ 97) وذكر هذا الحديث: «وقد استدل جماعة من العلماء بأن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة تحت راية كل بر وفاجر من الأئمة بهذا الحديث، لأنه قال فيه: (إلى يوم القيامة) ولا وجه لذلك إلا الجهاد في سبيل الله لأنه قد ورد الذم فيمن ارتبطها واحتبسها رياة وفخراً ونواء لأهل الإسلام» اهـ، ويعني بحديث الذم حديث أبى هريرة عند البخاري (7356) ، ومسلم (987) وفيه: (ورجل ربطها فخراً ورياء فهي على ذلك وزر) . ويشهد لقوله: (الجهاد ماض) أيضاً قوله (:(لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، لا يضرهم من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت