ثم العالم المربّي يعرف أن عبارات كثير من الناس من غير المتخصصين في الشريعة، والذين لم يتدربوا على لغة الفقهاء ربما تقصُرُ عن بيان مقصودهم، ويكون مقصودهم في نفس الأمر صحيحا، فلا بد أن يكون منتبها .. ولو تعلّق الأمر بالرد على بعض العلماء لصاح بنا الكثيرون احترموا العلماء وافهموا مرادهم، وأما المجاهدون فكأنهم كلأ مباح للمنتقدين .. ! ولا مدافع ولا مناضل.
وحسبي إن شاء الله مما أنا فيه أني أنوي الدفاع عنهم والذبَّ عن عرضهم، أسأل الله تعالى أن يذبّ عني النار يوم القيامة.
فإن قيل أيضا: الشيخ لم يقصد المجاهدين، وإنما ردّ على كلامٍ قيل بغضّ النظر عن قائله، قيل: لكن الكلام جاء في أثناء ردّه ومناقشته للمجاهدين ومن ينوب عنهم، فهو يوهم أن ذلك من قولهم ومن باطلهم؛ فما أشد فرح خصوم المجاهدين بهذا، من الجامية والمدخلية وأنصار الطواغيت وأشباههم.
وكما أن للعلماء حرمةً، فإن للمجاهدين حرمةً -أيهما أكبر؟ الله أعلم-، كيف وقد قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) } [النساء] ، وقال - عز وجل: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ} [التوبة: 20] ، وقال تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} [الحديد: 10] .
وغيرها من الآيات الدالة على فضلهم وعلوّ درجتهم عند الله، فالحمد لله رب العالمين.
وفي الاحاديث كثير، ويحضرني الآن منها قوله - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم: (حرمةُ نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم) (1) الحديث وغيره من الأحاديث في هذا نصّا ومعنى كثير، والحمد لله رب العالمين.
ثم هذا يبيّن شيئا آخر وهو مدى معرفة الشيخ بفكر المجاهدين وآرائهم، ويوضّح ما ظنه الإخوة بالفعل من أن الشيخ لم يسمع من المجاهدين، اللهم إلا القليل النزر الذي لا يغني، وأن ما سمعه من خصومهم أكثر للأسف.
(1) صحيح مسلم (1897) .