والكفر بالطاغوت؛ فثبات مثله على طريقه ومنهجه، وتضحيته بدمه ونفسه في سبيله، هذا شيء عظيم ليس بالسهل .. إنه يحيي أمة بكاملها.
فسوف ترون إن شاء الله، وسوف يرى أعداء الله، أعداد اللاحقين بموكب الجهاد المبارك بعد أبي مصعب، وسوف نرى ويرون الصحوة والنهضة والبعثَ الجديد في شبابنا .. فانتظروا، إنا منتظرون .. !
ومن المعاني في مثل هذه الشهادة: أن يبتلي الله من بقيَ منا، وينظر من يثبت ومن ينهزم، ومن يتعلق بالله تعالى وبالمنهج، ومن يكون تعلقه بالأشخاص، فيزول بزوالهم، وهذه من الفتنة والابتلاء المراد لله - سبحانه وتعالى -، قال الله - عز وجل: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) } [آل عمران] ، وقال: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) } [آل عمران] ، وكما قال أنس بن النضر - رضي الله عنه - حين أشيع في أحدٍ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قتل: «قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» (1) .
ومنها: الابتلاء والامتحان والتكليف للخلق جميعا؛ مسلمهم وكافرهم، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات صباح على أثر مطرٍ: (أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ .. قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ .. ) الحديث (2) ؛ فينظر الله تعالى من يقول الحق والخير ويكون مع الحق، ومن هو بضد ذلك.
ومنها: الرحمة واللطف من الله تعالى بعباده المؤمنين، أنه يربّيهم بالسراء والضراء، وبالأخذ والعطاء، وبسائرأسباب التربية من حكمته ورحمته، فيجدد لهم العهد بمعاني الشهادة والثبات والنصر بالموت على هذا الدين، وهو الانتصار الحقيقي، وينوّع لهم الصور والآيات والبراهين والبينات. وأكثر من ذلك وألطف أنه ينوّع لهم وجوه القادة والأبطال ويجددها لهم، فلا يملّوا ولا يطغوا .. ! فلله الحكمة البالغة.
ومنها: أشياء أخرى كثيرة تُعرف بالتأمل، لعل من أقلها: أن يكبِت الله تعالى الكثيرين من أعداء الجهاد والمجاهدين، أعداء دعوة التوحيد والسنة، ويفضح خورهم وجبنهم وخنوثتهم والعياذ بالله، ويصيبهم الله تعالى -رغم الفرح الذي يظهرونه- بالهزيمة النفسية والخيبة والشعور بالدونية والحقارة
(1) تاريخ الطبري (2/ 517) .
(2) صحيح البخاري (846) ، وتتمته: (فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ؛ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ) .