يلازمهم حتى يتوبوا أو يموتوا، وهم ينظرون إلى هذه الشهادة العظيمة وهذه المنزلة الرفيعة التي تبوأها الشهيد ومحبة الناس له وثنائهم عليه؛ فيكادون يتميّزون من الغيظ، ويموتون من الحسرة .. !
ثم أيها الإخوة: لا بد أن نستعين بالله تعالى ونتوكل عليه، ونعتصم بحبله - عز وجل -؛ فهو مولانا وناصرنا، نعم المولى ونعم النصير؛ {بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) } [آل عمران] ، {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) } [الأنفال] ، {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) } [الحج] ، {أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) } [البقرة] .
فاثبتوا واصبروا وصابروا، واعتصموا بالله واستعينوا به: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) } [آل عمران] .
ولا تظنوا بالله ربكم إلا الظن الحسن .. ! واستيقنوا أن هذا كله خير وبركة ورحمة وإحسان من ربكم - عز وجل -، ونحن تعلّمنا من تجاربنا -بفضل الله تعالى- أن لا نيأسَ أبدًا .. وأنا شخصيا قد مررتُ بتجربة صعبة في الجزائر وخرجتُ منها ناجيا بجلدي وقد ظننتُ أن لا تقوم للجهاد في الأمد المنظور في حياتي قائمة، وكدتُ أيأس، وأصابني من الحزن والهم والكآبة وما يشبه القنوط، شيءٌ يصعب على الوصف.!! لولا أن الله تعالى عصمني بشيء من التثبيت ونفعني بصحبة الإخوة، وبالتأسي بأهل السابقة والخير، وبالانشغال بالتأمل لهذه التجربة الكبيرة وما كان فيها من العبر، ولطف بي بما أراني من بوارق الأمل والرجاء؛ فما إن خرجتُ حتى لاحظتُ في مشرق الأرض أحداث الشيشان وتدفّق المئات من شباب الإسلام عليها، وكانت للتو قد بدأت معركتها الثانية بعد دخول خطاب - رحمه الله - لداغستان، ولاح لي أملٌ في أفغانستان من جديد بظهور طالبان، وعودة الشيخ أسامة وأصحابه من السودان إليها، وتجمّع المجاهدين من جديد، فما لبثت أن عادت لي الحياة، وطردتُ عني اليأس، وتعلّمت أن لا أيأس أبدا، وأنه {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7) } [الطلاق] و {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) } [الطلاق] {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) } [الطلاق] وأن الله هو الفتاح العليم، وهو نعم المولى ونعم النصير.
فيا أيها الإخوة: إياكم واليأس والقنوط .. واعتصموا بالله .. اعتصموا بالله .. {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) } [الأعراف] ،