وصيانتها عن المحبطات ومفسدات العمل حتى يلقى الله تعالى بها يوم القيامة، فإن بعض الناس يعمل العمل ثم لا يجيء به يوم الجزاء لكونه ذهب هباء منثورًا، نسأل الله السلامة.
وهذا يقودنا إلى السؤال عن محبطات العمل ومفسداته، وقد حصرها بعض العلماء في الشرك؛ فقال: لا يحبط العمل إلى بالشرك إما كليًا أو جزئيا، فالشرك الأكبر وهو الكفر والردة أعاذنا الله وإياكم منها، محبط للعمل بالكلية، والرياء والتسميع محبط لما قارنه من العمل، وهذا قدر متفق عليه.
وقال بعض العلماء: إن محبطات العمل أعم من الشرك؛ فإن الأعمال الخبيثة الموبقة قد تسبب إحباط بعض العمل الصالح، واستدلوا بقوله تعالى: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) } [الحجرات] قالوا: وهذا -رفع الصوت فوق صوت النبي -صلى الله عليه وسلم- - ليس شركًا، بل معصية كبيرة، ومع ذلك حذر الله أن تحبط عمل صاحبها، واستدلوا بقول عائشة - رضي الله عنها - لامرأة من آل زيد بن أرقم حين علمت أنه تبايع بالعينة: «أخبري زيدًا أنه أحبط جهاده مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» وصححوا الخبر؛ قاله ابن القيم - رحمه الله - (1) ، واستدل له بعضهم أيضا بقوله (فيما رواه ابن ماجه من حديث ثوبان مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصححه بعضهم:(إن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا فيجعلها الله هباء منثورًا) قالوا: يا رسول الله صفهم لنا جلّهم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نشعر، قال: (إنهم منكم ويأخذون بحظهم من الليل كما تأخذون ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) (2) .
وهذه مسألة فيها بحث ونظر، فالله أعلم، وإنما ذكرتها تتميما وتنبيها لخطورة الأمر.
(1) مصنف عبد الرزاق (14812) قالت: «أَخْبِرِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ: أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (إِلَّا أَنْ يَتُوبَ» ، وذكر هذا الخبر ابن عبد البر في: الاستذكار(6/ 272) وقال: «هُوَ خَبَرٌ لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَلَا هُوَ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عِنْدَهُمْ، وَالْحَدِيثُ مُنْكَرُ اللَّفْظِ لَا أَصْلَ لَهُ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ لَا يُحْبِطُهَا الِاجْتِهَادُ وَإِنَّمَا يُحْبِطُهَا الِارْتِدَادُ وَمُحَالٌ أَنْ تُلْزِمَ عَائِشَةُ زَيْدًا التَّوْبَةَ بِرَايِهَا وَيُكَفِّرُهُ اجْتِهَادُهَا فهذا ما لا ينبغي أن يظن بها وَلَا يُقْبَلَ عَلَيْهَا» ، ونصر ابن رجب الحنبلي في: تفسيره (1/ 216) هذا القول واستحسنه وقال: «والآثارُ عن السلفِ في حبوطِ بعضِ الأعمالِ بالكبيرةِ كثيرة جدًّا، يطولُ استقصاؤها .. وأمَّا مَن زعم أن القولَ بإحباطِ الحسناتِ بالسيئاتِ قولُ الخوارج والمعتزلةِ خاصةً، فقد أبطلَ فيما قال، ولم يقفْ على أقوالِ السلفِ الصالح في ذلك. نعم، المعتزلةُ والخوارجُ أبطلُوا بالكبيرةِ الإيمانَ كلَّه، وخلَّدُوا بها في النارِ، وهذا هو القولُ الباطلُ، الذي تفرَدُوا به في ذلك» . ونصر ابن القيم تصحيح هذا الحديث جدا ودلل على ذلك في: زاد المعاد (3/ 132، 133) واستدل بهذا الأثر في مواطن؛ فلتراجع.
(2) سنن ابن ماجه (4245) وصححه الألباني، وفي الحكم على هذا الحديث خلاف كبير ليس هذا موطنه.