أشياء أخرى مما هو مشروع أو حصّلها كما بينت ذلك أحاديث أخرى أيضا.
وهذا ما لم تكن إرادة الغنيمة أو أي منفعة دنيوية هي الغالب عليه وهي الباعث الأساسي والحقيقي له؛ فإنه قد صح: أن رجلا قال يا رسول الله، رجل يريد الجهاد وهو يريد عرضًا من عرض الدنيا، فقال رسول الله: (لا أجر له) فأعاد عليه ثلاثا والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول (لا أجر له) رواه أبوداود (1) .
قال العلماء: وهذا محمول على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا.
وهذا بخلاف مسألة من غزا يلتمس الأجر والذكر؛ فقد سُئل عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (لا شيء له) يعني من الأجر. والحديث في سنن النسائي (2) .
وأما ما يقع في نفس المسلم مثلًا من أن الناس يمدحونه ويذكرونهم بخير ويعتبرونه بطلًا ونحو ذلك إذا جاهد في سبيل الله، فلا يضرّه، لأنه لا يقصده ابتداء وليس هو باعثه على العمل والجهاد في سبيل الله، بل هو أشبه بتحصيل الحاصل، لأنه معلوم أن من سنة الله تعالى في خلقه أن الناس يحبون ويحمدون الأبطال وأصحاب الفِعال، وإنما الضرر على من جعل ذلك هو مقصدَه ومرادَه، فهذا ليس له من جهاده إلا ذلك، فإذا أفضى إلى ربّه - عز وجل - عذّبه، كما مرّ في الحديث.
والأمر خطير، ونسأل الله السلامة والعافية.
ومنها: من شرع في العمل لله ثم طرأ عليه الرياءُ أثناءه، كمن صلى لله ابتداء ثم طرأ عليه الرياء أثناء الصلاة، والراجح فيها التفريق بين أصل العمل وصفته، والتفريق بين ما يتجزّأ وما لا يتجزّأ.
ومنها: أن يصوم الإنسان وهو يريد مع العبادة تحصيل الصحة لبدنه ونحو ذلك، فهذا لا بأس به إن شاء الله ما دام الباعث الحقيقي والغالب هو عبادة الله تعالى بهذا الصوم، وذلك كمن يعاني من السِّمْنة ويستعمل أنظمة تخفيف الوزن -الريجيم- ففكر أو نصحه طبيبٌ -مثلا- بأن يصوم الاثنين والخميس أو يوما بعد يوم؛ فهذا لا بأس به ولا يضرّه إن شاء الله أن ينوي الصوم مع قصد تحصيل تلك المصلحة، لأن الباعث الأساسي هو طاعة الله وإنما التقت العبادة هنا مع منفعة مباحة مطلوب تحصيلها نوعَ طلبٍ فشجّعه ذلك على هذه العبادة، بدليل أنه يمتنع عن شربةِ ماء مثلا، ويمتنع عن
(1) سنن أبي داود (2516) وحسنه الألباني، مسند أحمد (7900) وحسنه لغيره الأرنؤوط.
(2) سنن النسائي (3140) وقال الألباني: حسن صحيح.