فهرس الكتاب

الصفحة 1105 من 1908

ورسوله فكثير جدًا وأكثره معروف

وكل ذلك من عناية الشريعة المطهرة بهذا الشهر وهذا الركن الجليل وتمييزه وتنبيه نفس المسلم إلى عظيم قدره.

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قال الله: كل عمل بن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم والذي نفس محمد بيده لَخُلُوف فمِ الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما؛ إذا أفطر فرح وإذا لقي ربه فرح بصومه) متفق عليه وهذا أحد ألفاظ البخاري (1) .

وفي معنى قوله (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) للعلماء أقوال: أظهرها أن الله تعالى أضافه إلى نفسه تعبيرًا عن جزيل ثوابه وعظيم جزائه عنده، قال بعض العلماء: إن الله عيّن للملائكة أجزية الأعمال وما يُضاعَفُ إلا الصوم، فإذا كان الصومُ فإن الملائكة لا تعرف أجره وثوابه، فترفع أمره إلى الله تعالى فيقول الله: اتركوه لي، قاله الدهلوي - رحمه الله - في «الحجة البالغة» : «وهذه منقبة عظيمة للصيام» (2) ، وذكر العلماء من أسباب ذلك أن الصوم لا يدخله الرياء، بمعنى أن المرائي والمنافق لا يستطيع أن يرائي بفعل الصوم لأنه لا يظهر -مع أنه قد يرائي بادّعاء الصوم-، وأن الصائم لا يمكن أحدًا الاطلاعُ على صدقه إلا الله تعالى، وأنه تركٌ محض، وأنه ترك لشهوات النفس وحظوظها من أجل الله تعالى وحده، وأنه عبادة جمعت الشكر والصبر وهما كل الدين، وذكر بعض العلماء أنه لم يعبد به غير الله قط، فإن الأصنام والأوثان وسائر الآلهة الباطلة عبدت بالصلاة والدعاء والصدقة والنسك وغير ذلك إلا الصوم فما يُعرَف عبِدَ به غير الله تعالى .. وغير ذلك مما جاءت الإشارة إليه في الأحاديث ومما استظهره العلماء - رحمهم الله -.

ومعنى (الصيام جنة) أي وقاية، وأطلق للتعميم والتفخيم، فهو وقاية من النار وسخط الجبار، وفي طريق ذلك هو وقاية للنفس من آفاتها ومن كثير من الأمراض والمعايب.

ومعنى (خُلُوف فم الصائم) تغيرُ رائحة فم الصائم بسبب الصيام.

(1) صحيح البخاري (1904) ، صحيح مسلم (1151) .

(2) حجة الله البالغة (1/ 141، 2/ 78) قال: «وَالصَّوْم حَسَنَة عَظِيمَة يقوى الملكية، ويضعف البهيمية» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت