فهرس الكتاب

الصفحة 1107 من 1908

فصلٌ: حقيقة الصوم وصفةُ الصائم

حدّ الصوم الظاهر الذي لا يجزئ ما وراءه: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية.

لكن قد بيّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن حقيقة الصوم أعمق من ذلك؛ فجاء في الحديث القدسي وقد سبق ذكره: (يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) أحد ألفاظ البخاري ولفظ مسلم قريب منه، وفي نفس الحديث: (فإذا كان يومُ صوم أحدكم فلا يرفُثْ ولا يَصْخَبْ، فإن سابّهُ أحدٌ أو قاتله فليقل: إني صائم) (1) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (من لم يدع قولَ الزور والعملَ به فليس لله حاجة في أن يدع طعامَه وشرابه) البخاري (2) ، واللهُ - عز وجل - لا حاجة له إلينا أصلًا، لكن هذا تعبير عن عدم القبول وأنه لا يبالي به؛ فكأنه يقول بتعبيرنا مثلا: لا داعي تتعب نفسك!!

نسأل الله السلامة، ونعوذ بالله أن نردّ ونطرد عن رحمته وجزيل ثوابه.

وروى هذا الحديث أبو دواد أيضا في سننه ولفظه: (من لم يدع قول الزور والعملَ به والجهلَ) (3) وليس المراد الجهل الذي هو ضدُّ العلم، بل الجهل الذي هو ضدّ العقل والحِلْم، وهو استعمال القوة الغضبية في خلاف الحق؛ فتجده يغضب كثيرا لأدنى سبب، ويصخب ويرفع صوته كثيرا، ويسب ويشتم ويخاصم كثيرا ويفجر إذا خاصم ولا ينصف.

وربما زاد على ذلك أن يعزو سوء حاله إلى الصيام، فكأن الصيام هو سبب فحشه وجهله، بدلَ أن يكون الصيام له مهذّبًا ومؤدّبا وسكينة وطمأنينة، عافانا الله وإياكم.

فبيّن لنا رسولنا -صلى الله عليه وسلم- في هذه الأحاديث وما في معناها أن حقيقة الصوم تشمل ترك شهوات النفس تركًا مّا -ولا يمكن تركها بالكلية ولا قصدت الشريعة إلى ذلك-، وترك الرفث والفسوق والمخاصمة والفجور وقول الزور والكذب والغيبة والنميمة وما شابه ذلك، فهذا الصوم هو موسم لهذا الترك، ومن امتنع عن الأكل والشرب والجماع فقط مع استمراره في سائر الفسوق والفجور وانهماكه في

(1) صحيح البخاري (1894) .

(2) صحيح البخاري (1903) .

(3) صحيح البخاري (6057) ، ولم أقف على لفظ (الجهل) في سنن أبي داود، وهذا الحديث عنده برقم (2362) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت