فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومنها: أنه أي صيام رمضان صورة بديعة لوحدة المسلمين بحيث يصومون ويفطرون كلهم في شهر واحد من طلوع الفجر إلى غروب الشمس كل يوم من هذا الشهر، وفي ذلك من المعاني الإيحائية والظلال الجميلة الباهرة ما فيه، وهو من حكم الشريعة الغرّاء، ففيه ترسيخ للوحدة بين المسلمين وتثبيت لمبدأ الجسد الواحد.
وفي الصيام فوائد صحية للبدن عرفها الناس بالتجارب وتكلم فيها الأطباء، من إراحة المعدة والمساعدة على تنظيم عملها، على ألا يفسد ذلك بكثرة الأكل والزيادة على الشبع أو حتى الشبع كل ليلةٍ، مع التنبيه هنا إلى أن الحديث الذي يُروى: (صوموا تصحّوا) (1) هو حديث ضعيف لم يثبت إسناده.
وفيه: تربية للنشء؛ يتدرّبون فيه على العبادة والمراقبة من الصِّغَر ويبدأون يفهمون ويتذوّقون معناها، ويتلقون دروسهم الأولى في الصبر والتحمّل.
وفي صوم رمضان أيضًا: إشعار بالارتباط بموكبِ الصالحين السابقين على امتداد هذه الأمة، والأمم التي قبلها أيضًا، وهو من معنى قوله تعالى: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] والله أعلم؛ فالمؤمن الصائم يستشعر أنه يصوم هذا الشهر الكريم كما صامه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه والسابقون من المسلمين، وكذلك هو يصوم كما صام المسلمون من قبله لله تعالى من الأمم السابقة وإن لم يكونوا يصومون شهر رمضان على الخصوص.
هذا والله أعلم وأحكم، وهو الموفق لكل خير.
فصلٌ: في معنى الصبر الذي هو لبُّ الصوم، وبيان شيء من فضله
الصبر هو: حبس النفس والأعضاء واللسان عن كل ما يكرهه الله، كالجزع والتسخّط والشكوى لغير الله، وقد قدّمتُ أن مبنى الصوم على الصبر فهو لبّه، وإن كان الصوم فيه أيضا معنى الشكر كما أشرنا إليه من قبل.
والصبر والشكر هما جماع الدين؛ فإن الإنسان لا يخلو من إحدى هاتين الحالين: إما في حال مشقة وضراء تستدعي الصبر، أو حال يُسرٍ ومسرّة تستدعي الشكر.
(1) الطب النبوي لأبي نعيم (113) ، وضعفه الألباني في: ضعيف الجامع الصغير (3504) .