أبا مصعب كذا وكذا، مما تتيحه لهم خيالاتهم الشيطانية، ومما يناسب نفوسهم الخبيثة الغويّة، ولرأيتم حينها التحليلات المتخرّصة البهيمية الأرضية السفسفية المنحطة، قاتل الله أصحابها الأغبياء، الذين هم أغبى من رأيت من أصناف البشر .. !!
ومن ذلك: مسألة ظهور أعلام المجاهدين لعامة الناس أن بعض الإخوة قد يظن أن مقتل الشيخ أبي مصعب كان بسبب خطئه في ظهوره في الشريط المرئي الذي ظهر فيه قبل مقتله بنحو الشهر، وكان هذا فتنة لبعض الناس أيضا، فكثرت التحليلات حوله، فمنها المصيب شيئا من الحق ومنها الهائم في أودية الخطأ.!! وكون ذلك كان من أسباب قتله أو لم يكن، الله أعلم، ليس هذا بالأمر المهم جدا .. فالله قد جعل لكل شيء سببا .. وجعل لكل شيء قدرا، وأجلا .. لكن المهم هو الكلام على من انتقد الشيخ في ظهوره وعدّ ذلك من الأخطاء.!! فهذا عندي غير صحيح ولا سديد .. بل لا بد للجهاد ودعوته المباركة ومسيرته الميمونة أن يكون لها رجال بارزون يظهرون يعرفهم الناس، ويعرفون حسبهم ونسبهم وتاريخهم وصوتهم وصورتهم، ولا سيما إن كانت لهم مواهب وقدرات يستعملونها في نصرة دين الله تعالى وإعلاء كلمته، ولهم «كارزميّة» وجاذبية يستعملونها في أعلى مقامات الطاعة لله تعالى والدعوة إليه .. ولا بد لمثل هؤلاء الرجال أن يخاطروا بأنفسهم ويضحّوا ويتقدموا للفداء، إنه موقف الفداء، إنه موقف الغلام، ليقول الناس: «آمنا برب الغلام» (1) ، إنه مقام البذل العظيم في سبيل الله .. أتظنون أنه مقام سهل؟ أو تظنون أنه يقدر عليه كل أحد؟ لا بد أن يكون لدعوة الجهاد أمثال أبي مصعب .. وبإمكانكم أن تتصورا أنه لم يكن .. ! وتتخيّلوا أن قيادات المجاهدين ودعاتهم كلهم مجهولون غامضون غير معروفين، لا بتاريخهم ولا بأشخاصهم ولا بشيء من صفاتهم .. !!
ونحن نستيقن أن أبا مصعب - رحمه الله - حين اتخذ قرار الظهور على الشاشة للعالم، اتخذ هذا القرار وهو يعلم عظيم خطره، وما فيه من المخاطرة البالغة، لكنه رجّح ذلك -وبالتأكيد أيضا بعد المشاورة والاستخارة التي هي دأبه - رحمه الله - لما فيه من الخير ونصر الدين والدعوة إلى الله، وقمع المنافقين وكبت الزنادقة، وإرهاب الأعداء، ورفع معنويات الأمة جمعاء، ولا نشك مع كل ذلك، أن الشيخ أبا مصعب اتخذ ما بوسعه من الأسباب واجتهد، ثم أن يصل الأعداء إليه وأن تظفر به كلاب الأعادي؛ فهذا ليس بالشيء الغريب أو الخارق .. !! المحارب في الميدان هو وعدوّه في محاولة وسعي وكيد ومكر، مستمرّ ودائم .. يظفر هذا بهذا مرة ويظفر هذا بهذا مرة، أنت تجتهد وتحاول .. وعدوّك كذلك يجتهد ويحاول ..
(1) مسند أحمد (23931) وإسناده صحيح.