فهذه العبارات وما شابهها تدل على أن الصورة المحرّمة والتصوير المحرم هو الذي يوصف بذلك ويصدق أن يقال فيه ذلك.
فهي إذن قيود في «الصورة» المحرمة المنهي عن تصويرها.
فإن الله - عز وجل - ورسوله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن صورة وصفها ووصف أهلها ..
وهذه من جملة الأوصاف، والأوصاف (القيود) أكثر من ذلك:
فمنها: أن تكون لذات روحٍ، حتى يصدُق أن يقال لمصوّريها: أحيوا ما خلقتم، وانفخوا فيها الروح ..
ومنها: أن تكون شاملة للرأس، فإن خلت من الرأس، لم يُنْهَ عنها (إنما الصورة الرأس) (1) ، وذلك متفق مع قوله (أحيوا ما خلقتم) و (أن ينفخوا فيها الروح) ؛ لأن ما لا رأس له -مقطوع الرأس- لا تمكن فيه حياةٌ.
وهذا يدلّك على اعتبار هذا الوصف المفهوم من قوله (أحيوا ما خلقتم) و «ينفخوا فيها الروح» بحيث إنه حتى لو لم يرد حديث «الصورة الرأس» لأمكننا أن نفهم أن مقطوع الرأس جائز لكونه لا تمكن فيه الحياة كما جرت بذلك سنة الله في خلقة، وإنما ورود الحديث (الصورة الرأس) زيادة تبيين ورحمة ولطف من الله (، وصلى الله وسلم على محمدٍ عبده ورسوله.
ومنها -في الصورة لا في التصوير- أن لا تكون مُهانة، بمعنى أن تكون محترمة؛ فإن الأدلة دلّت على أنها إن كانت مهانةً غير محترمة فإنه لا ينهى عنها (أي الصورة) أي عن اقتنائها، ولا تمنع دخول الملائكة البيتَ، والله أعلم.
والمقصود أن الصورة المنهيّ عن تصويرها موصوفة (مقيّدة) في أحاديث النبيّ (، والتصوير معناه في اللغة معروف، وكلامُ الشارع حيث كان مبيّنا في نفس كلام الشارع فذاك، أي نقف على ما أوقفنا عليه من معاني ألفاظه وكلامه، وهو المعبّر عنه بالحقيقة الشرعية.
وحيث لا «حقيقة شرعية» فالمرجع هو اللغة، وهي قسمان:
-محض اللغة، وهي الحقيقة اللغوية.
-واستعمال أهل اللغة (أي في زمن التنزيل) ، وهي الحقيقة العُرفية.
لأن أهل اللغة إذا استعملوا لفظا ما في معنى مخصوص، ثم جاء الشرعُ وخاطبهم بلسانهم الذي
(1) مصنف ابن أبي شيبة (25229) ، والإسماعيلي في معجمه، وصححه الألباني في: الصحيحة (1921) .