فهرس الكتاب

الصفحة 1181 من 1908

أعني الثقة والظن الحسن والتوكل على الله والإيمان بوعده وصدق خبرِه، والشجاعة والاستهانة بكبر وعظم قوة العدو (أعني الاستهانة المحمودة، أي احتقار العدو وعدم الخوف منه، وذلك لا ينافي حسن المعرفة به وبقدراته ومكره وخبثه، وحسن الإعداد لمواجهته) ، وعدم الخوف من ضخامة العدو المنتفش؛ ثقة بالله تعالى وتوكلا عليه وطلبا لنصره وارتكانا إلى وعده سبحانه.

وقوله: «جماعة أو مجموعة تواجه العدوّ بمفردها» .. هذا فيه تسطيح واختزال للمسألة، وسوء تصوير لها، وأخشى أن يكون تلبيسًا مقصودا، وأنا لا أعرف الرجل المفتي وحاله، فإن هذه طريقة أهل التلبيس، وقد يكون الرجل صادقا لكنه غير مجرب ولا يُعتَمد عليه في مثل هذ ه الأمور؛ فإنها أمورٌ تحتاج إلى أهل العزائم وأهل الشجاعة والإقدام الذين باعوا الدنيا وطلقوها، تحتاج إلى «الزرقاوي» وأمثاله وأشباهه، على أن يكونوا -أيضا- أهل تقوى وأهل عقلٍ ورزانة، لا أهل طيشٍ.!

وذلك توفيق من الله تعالى واصطفاء؛ فعليكم بالله مولاكم - عز وجل -، واحذروا من خداع النفس، واعلموا أن التوفيق كله منه وحده سبحانه والنصر من عنده فقط لا غير .. والله المستعان.

لأن الأمر ليس كما قال؛ فهذه الجماعة لا تقاتل وحدها في الحقيقة، بل معها عموم المسلمين أو جمهرة كبيرة منهم فيهم الخير والبركة، ولا يلزم أن يكون كل الشعب أو أكثره معها، بل يكفي أن يكون معها جمهرة طيبة من أهل الخير والفطرة الحسنة وأهل الشرف والإباء، وهؤلاء خيرٌ من أضعافهم من أهل الركون إلى الدنيا وأهل الفساد والضعة أهل القبول لكل غازٍ يدفع لهم الدولار ويشبع بطونهم ويوفر لهم الرفاهية والمتعة ولو كان يهوديا أو مرتدا فاجرا خليعا مخنثا والعياذ بالله .. !

فهذه الجماعة أو المجموعة إن كانت منعزلة عن سائر الناس بكل حالٍ، مقطوعة من شجرة المجتمع المسلم الذي تعيش فيه، فيصحّ كلامُ المفتي حينها، وتكون هذه الجماعة غير قادرة ومحكومًا على عملها بالفشل، حتى وإن جوّزنا لها الخروج لقتال العدوّ، فنحن قد نجوّز حتى خروج الرجل الواحد لوحده مفردًا كما قال تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} [النساء: 84] ولكن هذه المسألة ينظر في أفرادها صورة صورة، ويحكم فيها، لأنها لا بد فيها من اعتبار المصالح والمفاسد .. لكن المقصود أنك قد تجاهد وأنت تعرفُ أنك لن تغلبَ العدوّ ولن تزيحه، وهذا معنى قولنا «محكوم عليه بالفشل» أي محكوم على عمله بأنه لن يزيل العدو ولن يغلبه، وليس معنى ذلك أنه فاشل من كل وجهٍ دنيا وأخرى .. أما الدنيا فقد يكون الغرض أحيانا جزئيا صغيرا مثل تجريء المسلمين وتشجيعهم وضرب المثل والقدوة والأسوة لهم وتوهين شأن العدو في قلوبهم، وهذا يكون هدفا مرحليا أحيانا، حيث لا يمكن أحسن من ذلك، وحيث يكون هذا مطلوبًا للتوطئة لما بعده من الجهاد الأسدِّ والأكمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت