فهرس الكتاب

الصفحة 1195 من 1908

اسْتَطَعْتُمْ أي في حدود الاستطاعة المعتادة .. إلخ ما شرحتها؛ فمثلا: هل وجدتَ في السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والتحية أنه فتح المصانعَ والمشاغل والمعامل وأرسل البعوث من الطلبة لتعلم هذه الفنون واستجلب الخبراء من الأمم مثلا أو ترجم الكتبَ ورصد مراكز البحوث ... أو نحو ذلك؟! أعلمُ أنه يمكن أن يُعترَض على هذا ببعض الاعتراضات، وعندي الجواب عليها، ولكن المقام مقام اختصارٍ، وحثّ على التأمل.

وأزيدُك مجالا آخر للتأمل: هل تأملت أن كل من برعوا في جنس هذه الفنون الإنسانية الصناعية والتقنية ممن ينتسب إلى الملة الإسلامية في بعض عصورها المتقدمة (عصر الدولة العباسية) كانوا من قليلي الدين بل لعل أكثرهم ممن رمي بالزندقة والإلحاد، وبعضهم لا شك في كفره وإلحاده .. !؟

والمقصود أن الحث على الأخذ بأسباب القوة مقيّدٌ بالمفهوم الذي شرحته، ولا شك أن أسباب الغلبة على العدو والتمكين في الأرض معظمها هو القوة المعنوية: التوحيد وعبادة الله تعالى والإيمان والتقوى والأمانة والعمل الصالح، والتمسك على الجملة بهذا النور والهدى الذي عندنا مما جاء به نبينا -صلى الله عليه وسلم-وما يتضمنه من عدلٍ ورحمةٍ وإحسانٍ .. وسائر الفضائل البالغة حدًا لم تجمعه أمة من الأمم أبدًا في التاريخ، ومن أهمها؛ بعد تقوى الله والوازع الديني: الفضائلُ النفسية المتعلقة بعزة النفس وكرامتها وحريتها وشجاعتها وأنفتها وتنوّرها بحجج الله وبراهينه الدالة على كل خيرٍ .. إلخ، فمن كان كذلك لم يحتج من الأسباب المادية التقنية إلا {مَا اسْتَطَعْتُمْ} : أي «اللي قدرتوا عليه بسهولة دون أن نشقّ عليكم كثيرا» ، وتكون الغلبة له بإذن الله، ويكون الكفرةُ المهرة في الدنيا المتفرغون لها {وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) } [الروم] عبيدًا له وخدمًا .. والله أعلم، وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

7 -قال الشيخ عبد الله العدم [ص 65] : قال شيخ الإسلام في معرض حديثه عن الهجرة: «والله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} [الأنفال: 75] ؛ قالت طائفة من السلف: هذا يدخل فيه من آمن وهاجر وجاهد إلى يوم القيامة» (1) .

التعليق: ومثله قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} الآية من سورة الحشر، وهي في بيان مصرف الفيء ويدخل فيها كل من جاء بعد المهاجرين والأنصار من المؤمنين إلى يوم القيامة، كما فسرها سيدنا عمر وعليه الجميعُ.

(1) مجموع الفتاوى (18/ 284) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت