فهرس الكتاب

الصفحة 1216 من 1908

البال، والحِلْمُ والتواضعُ، وقوةُ الصبرِ، والشجاعةُ، وكرمُ النفس، وعلوّ الهمةِ، واليقينُ وقوة التوكل على الله تعالى، وحُسن الديانة والتقوى.

لم يكن يحمل الغِلَّ والحقد على مسلمٍ، وكم جرى له في سنواته الأخيرة -فيما بعد الحرب الصليبية على أفغانستان وقد ابتلي في هذه السنين بالمسؤولية والإمرَةِ- من خصوماتٍ وكم دخل مُرْغمًا في نزاعاتٍ كان يكرهها ويضيق منها ويحزن لها، ولكنه لا يحمل الغل بسببها على أحدٍ من إخوانه، ولقد كان تبلغه مسبته عن أناسٍ واتهامُهُم له بالباطل وبَهتُهم له؛ فيلوذ بذكر الله ويظهر عليه الحزن والأسف ثم سرعان ما تراه بعد قليل إن جاء ذكر ذلك الرجل السابّ يثني عليه ويذكره بخيرٍ ويقول: أخونا، ويدعو له ويجزيه بالخير، ويذكر محاسنه، كأنه ما سبّه ولا تكلم فيه بسوءٍ، حتى إنك لتقول: لعله نسي أو اشتبه عليه اسم ذلك الإنسان بغيره!

وأما الروية و «طول البال» فسجايا فيه مجبولٌ هو عليها؛ لا يتكلفها بل تنطق بها أفعاله وتترجم عنها سيرتُهُ وخِلالهُ، حتى إن العَجول لا يطيقُهُ وربما ضَجِر الحازم الوقّادُ من مصاحبته، وهذه في الغالب وفي أصلها هي صفة طيبةٌ وفضيلةٌ ممدوحة نافعة، وإنما لا بد أن يعلم أن الاعتدالَ في كل شيءٍ من الأخلاق والفضائل هو الغاية وهو الذي عليه المعوّل، والعبرة بالكمال وبالخواتيم، والتوفيق بيد الله تعالى، وقد كان صاحبنا - رحمه الله - من أهل التوفيق فيما نحسب، والله يتولى الصالحين، ولقد رأيته على بطء حركته وشدة رويّته يُنجِز من الأعمال في الأوقات القليلة ما أتعجّب منه.!

والحلمُ ممزوجٌ بكل ما تقدم، وأما الصبرُ فإنه من أهلِهِ؛ نحسبه كذلك، وله حظٌ طيبٌ من أنواعه; الصبر على الطاعة وعن المعصية وعلى الأقدار؛ فكان صابرًا على متطلبات الطريق من هجرةٍ وجهادٍ ولزوم استقامةٍ وتقويم دائم للنفس، وصابرًا على الأذى، وصابرًا على القلة، مثابرًا على معالجة ما يراه من اعوجاج حال المسلمين والمجاهدين، كان الصبرُ شعارَه حقًّا، وكان يعمل بقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 153] وكان كثيرَ الترنّم بهذه الآية والاستشهاد بها في تذكيره، ويفزع إلى الصلاة ويحافظ على صلاة الليل شديدًا، وكان له حظ من الصوم، ولم أره التزم طريقةً في الصوم، لكنه كان يكثر من الصوم مفرّقًا.

ومما تَعرف به تجذَّر خلق الصبر في شخصيته: أنه كان يحب الصابرين وينقّب في تقويم الإنسان عن صفة الصبر فيه، وإذا مدح إنسانًا لا بد أن يكون في طليعة عناصر المدح: الصبرُ وحسنُ الديانة والعبادة، ولما استشهد أخونا «أبو إسلام المصري» - رحمه الله - وكان رجلًا معروفًا بالصبر والحلم والأناة، تذاكرتُ سيرته مرة معه؛ فقلت: إني لأظن أنّ الله يقول عن أبي إسلام: إنا وجدناه صابرًا، فتأثّر بهذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت