الكلمة.
ورزقه الله بامرأةٍ صابرةٍ أعانته على الصبر على طريق الله تعالى - رحمها الله - وإياه، وكانت لهما ابنةٌ معاقة مشلولة وُلدتْ لهما في السودان في مرحلة ما بعد الجهاد الأفغاني الأول وبين مرحلة الإمارة الإسلامية في أفغانستان، فأصابها في صغرها داء الصفراء واشتد بها وارتفع مقداره؛ فأورثها شللًا وعيبًا فكانت وهي في عمر عشر سنين كأنها ابنة بضعة أشهر لم تجلس ولا وقفت ولا مشت ولا تكلمتْ، وإنما كانت تبتسم لأبويها وتناغي، وكانوا يرجون بركة الله ورحمته بخدمتها، ولم يتبرّموا يومًا بها، وتقوم أمُّها عليها صابرةً راضيةً إلى أن توفيت البنت واسمها حسناءُ في نفس السنة التي قتل فيها أبواها وأخواتها، سبقتهم ببضعة أشهرٍ، رحم الله الجميع.
وأما الشجاعة: فقد رأيت منه المواقف الكثيرة الدالة على شجاعة قلبه ورباطة جأشه عند الزلازل واستهانته بالخطر، وإقدامه على قول الحق والصدع به، - رحمه الله -.
وأما التواضع وحب المساكين والضعفاء والميل إليهم وإكرامهم؛ فهذه شيمته، ومشهودٌ مذكورٌ حبّه للأنصارِ وعوامِّ الناس وقربُه منهم وقربُهُم منه.
وكان له من كرم النفس وعلوّ الهمّة نصيبٌ طيبٌ، عرفناه في اختياراته وفي تعبّده واجتهاده، وعفَّة نفسه وعزته، يحب معالي الأمور ويجتهد أن يضرِبَ بسهمٍ في كل مجالٍ للعمل الصالح، وفي العلوم والمعارف.
وكان شديد المحبة لاجتماع المسلمين، والكراهية للفُرقة والنزاع، ورأيت منه في ذلك ما يذكر ويثنى عليه من قوة سعيه وشديد حرصه واجتهاده البالغ في توحيد صفوف المجاهدين وجمع كلمتهم سواءٌ في أفغانستان أو باكستان أو غيرها، لا يكاد يكلُّ أو ينكلُ عن حركةٍ ورحلةٍ واجتماعاتٍ رغم مرضه في بعض المرات، ورغم صعوبة الأجواء وطبيعة الأرض تاراتٍ.
وإذا كانت النفوس كبارًا ... تعبت في مرادها الأجسام (1)
فأين شباب الإسلام ليقتدوا وينافسوا.؟
وكان - رحمه الله - نحسبه والله حسيبه- صاحبَ دينٍ متينٍ وتقوى ومراقبة، ومن أهل اليقين والتوكل على الله، متحرّيًا في المال العام وفي مطعمه ومشربه، متحفّظًا في كلامه متوقّيًا عن آفات اللسان، شديد الحذر من الغيبة والكُرهِ لها، ولقد كنت أراه يتخذ بعض القرارات ويختار بعض الاختيارات في العمل،
(1) قاله المتنبي، ينظر: الأمثال السائرة من شعر المتنبي (ص 37) .