المسألة، أما حيث يتضح الدليل ويتبيّن البرهان ويسطع نوره فلا يبقى لأحدٍ مقال؛ فالقول الفصل هو: كونوا مع الحق، ووافقوه، مع الدليل والبرهان، وطاعة العلماء إنما هي تبعٌ لذلك، ولا طاعة لهم استقلالا، وكذا الأمراء، وهذا ليس فيه خلاف بين المسلمين؛ كما قال الشافعي - رحمه الله: «أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم أن من استبانت له سنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ليس له يدعها لقول أحدٍ كائنا من كان» (1) .
انظر إلى آفاق أخرى، وتأمل الجهاد في الجزائر وفي ليبيا وفي باكستان وغيرها ضد الحكومات المرتدة هناك .. هل ستقول لي أيضا كونوا مع العلماء؟
سأسألك: ومن هم؟ تعال نعيّنهم ونرى من يصلح أن يؤخذ منه؟ وماذا قالوا؟ وماذا تعني؟ كم واحدًا منهم؟ هل تريد كلهم؟ أو أكثرهم؟ أو حتى القليل؟
ثم أقول لك: ألا يكفي أن يفتي في مشروعيته وتأييده واحدٌ واثنان وثلاثة وعشرة من أهل الثقة والدين والورع؛ من العلماء؟ ..
هذا من حيث الفتوى وموقف العلماء الذي تطلبه ويطلبه الناس عادة لكي يطمئنوا، وإلا فإن البرهان ساطع سطوع الشمس في صحو الظهيرة، لأهل النظر، ولله الحمد والمنة.
تبقى بعد ذلك تفاصيل المسائل والأفعال وما نأتي وما نذر من جزئيات فقه الحرب؛ فالمرجع فيها إلى أهل العلم بالشريعة ودلائل الكتاب والسنة، كمسألة «التترس» مثلا وما شابهها مما يُسأل عنه.
أخي الكريم: أنت تطلب من العلماء أن يقودوا العمل السياسي والحرب والجهاد
هذا مطلب ولنقل «حُلُم» مشروع، لكنه بعيد عن الواقعية، وفيه مثالية، ولا يراعي سنّة الله في الخلق، وأما حلمي أنا فإنه بحمد الله واقعيّ قريبٌ، فأنا لم أطلب من العلماء أن ينفروا كلهم للجهاد والحرب، وإنما تمنّيت عليهم أن ينفر بعضهم والقليل منهم من كبارهم؛ سواء قادوا المسيرة وكانوا هم الأمراء، أو كانوا جنودًا في الصف مع إخوانهم وأبنائهم المجاهدين يعلّمون ويفتون ويرشدون ويربّون ويوجّهون ويحفظون ويصونون .. وحينئذ يكونون هم القيادة الأدبية والعلمية، وهي القيادة الحقيقية.!
أخي الكريم: إن العلم والسياسة افترقا في الأمة بعد عصر الصحابة، ولن يتحدا في شخص أو أشخاص إلا في النادر القليل جدًا جدًا لو حصل، وهذا التاريخ وكلام العلماء والحكماء معروف ومسطور .. السياسة والحرب والجهاد لها رجالها، كما أن العلم والفقه له رجاله.
(1) ينظر: الروح (ص 264) .