فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ [العنكبوت: 51] .
فالحاصل أيها الإخوة المؤمنون أن هذا الاختلاف الواقع بين الناس في مسائل الدين وفهم أحكام الشريعة مقصودٌ لله تعالى مراد له، جارٍ على وَفق حكمته تعالى وعلمه التام ورحمته وعدله وإحسانه، فله الحمد كله؛ فالواجب اعتقاد ذلك على الجملة.
وسنحاول استظهار بعض الحكم الربانية في ذلك بعون الله تعالى وتوفيقه.
فمن الحكَم في هذا «الاختلاف» بين الفقهاء وبين الناس في الأحكام الشرعية ومسائل الدين: أن يكون هناك مجالٌ يتسابق فيه الناس في البحث عن الحق والعِلم وطلبه والبحث عنه وتحرير المسائل، فيتميّز العالم من الجاهل، ويرفع الله قدر أهل العلم، ويتبيّن الباحث عن الحق من الذي لا يبالي ويتبع هواه ويقنَعُ بما عليه قومه وجمهور الناس الذين هم في الغالب على غير الهدى.!
{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) } [المجادلة] .
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) } [الزمر] .
{بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29) } [الروم] .
{فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) } [القصص] .
ومنها: أن يتميّز المتقي من القليل التقوى وقليل الخوف من الله تعالى، ويتسابق الناس في الأخذ باليقين وبالأحوط وبالأرضى لله تعالى، ويجتهدون في طلب رضاه، ويتميّز المحبّ المُوالي الذي يأخذ بأدنى إشارةٍ فيسمعُ ويطيع ويسارع في الخيرات وهو الحرُّ -الكامل العبودية لربّه - عز وجل - من الذي لا يتحرّك ولا يفعل إلا بالقوارع والنصوص الواضحة والزواجر القاطعة لكل حجة، وربما لم يسمع ولم يطع إلا بالعقوبة والنكال، وهو العَبْد -ضدّ الحرّ، وهو الذي لم تكتمل عبوديته لربّه، وما وفّى- والعبد يقرع بالعصا!! فسبحان الله.!
ومنها: التخفيف على العباد، لأنه لو نصّ على حكم كل مسألة نصًّا جازما قاطعا لا تختلف فيه أفهام الناس لكان في ذلك تضييق وتحريج على الخلق، لأنهم إما أن يفعلوا ما نصّ عليه أو يتركوا، وفي هذه الحالة لو تركوه فإنهم يعصون ويتعرّضون لسخطة ويستحقون العقاب منه، وبتراكم العصيان منهم في أمثالها يبتعدون عن سبيل الله ويستحقون اللعن والطرد وتبعد عنهم فرصُ التوبة والإنابة، ويحلّ بهم الخسران والعياذ بالله.