وكذلك السكوت عن تفصيل وتبيين بعض الأحكام هو مرادٌ لله تعالى، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) } [المائدة] ، وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث: (وسكتَ عن أشياء رحمةً بكم غير نسيانٍ فلا تسألوا عنها) اختلفوا في تصحيحه ومعناه صحيح عند الجميع (1) .
وتأمل حديث النبي - صلى الله عليه وسلم: (إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرّم فحُرّّم من أجل مسألته) متفق عليه (2) .
فالخلاف وإمكان الاجتهاد والتأويل أيضا هو في الحقيقة رحمة ولطف، ولهذا قال علماؤنا: إن اختلاف الصحابة ومن بعدهم من العلماء رحمةٌ وتوسعةٌ لمن بعدهم؛ كما قاله الإمام مالك - رحمه الله - وغيره.
فهذه بعض الحكم في الاختلاف بين العلماء، وربما ظهر المزيد لمن تأمل، وقد تكلم أهل العلم فيها وكتبوا في ذلك في متناثر كتبهم في الأصول والسلوك وغيرها.
وكل ذلك من لطف الله تعالى ورحمتة وعظيم منته على خلقه، إنه هو الرؤوف الرحيم اللطيف الخبير، تبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 143، الحج: 65] .
ولنختم هذا المقام بذكر آية عظيمةٍ من كتاب الله هي أصل في هذا الباب:
قال الله تعالى في سورة الحج: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) } [الحج] .
وجمهور المفسرين على أن معنى التمنّي هنا القراءةُ والتلاوة، فمعنى {تَمَنَّى} قرأ وتلا؛ فأخبر تعالى أنه ما أرسل من رسول ولا نبيّ إلا حصل له شيء من ذلك، وهو أنه إذا قرأ وتلا على الناس ما أوحاه الله إليه من العلم والهدى ألقى الشيطان -بتمكين الله إياه للحكمة التي بيّنها بعدُ- في قراءته وتلاوته شيئا من الباطل، لكن الله العليم الحكيم سبحانه قضى أن هذا لا يستمرّ ولا يدوم بل ينسخه الله أي
(1) الإبانة الكبرى (314) ، وضعفه السقاف في: تخريج الظلال (318) ، وضعفه الألباني أيضًا في: غاية المرام (4) ، وحسنه الألباني في: الأربعين النووية (30) .
(2) صحيح البخاري (7289) ، صحيح مسلم (2358) واللفظ له.