دليلُه واتضح سبيله وسطع نوره أنك تأخذ به وتتمسّك بحبله، وتترك ما سواه مهما كان.
مع ملاحظة أن الحقَّ في كثيرٍ من الأحيان يكون على غير ما تهواه النفس وترتاح إليه، وقد يكون فيه صعوبةٌ ونوعُ مشقّة، لا سيما حين يقلّ القائلون به المتمسكون بحبله السالكون طريقه، أو يكون مخالفًا للعادة والمتأصّلة في النفس والاجتماع، أو يكون كرهًا للنفس ويستدعي بذلًا وتضحية.
ومن أهم الأصول المرعية عند الاختلاف: ما جاء مبينا في قوله تعالى في سورة آل عمران: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران] ، وأنت أخي المسلم إن شاء الله تعرف معنى الآية ولا بد أنك قرأت تفسيرها وجعلتها دائما نصب عينيك.
ومع ذلك فلا بأس أن أكتب لك شيئا من شرحها:
خلاصة فقه هذه الآية الكريمة أن المسائل والأدلة قسمان: مسائل وأدلة محكمة أي واضحة بيّنة لا يختلف فيها الناس باديَ الرأي ولا يحتاجون إلى عناء كبير في فهمها ومعرفتها فهذا هو المحكم، ومسائل أخرى ليست كذلك بل هي مما يمكن أن يختلف في فهمه الناس، من أجل احتماله من جهة دلالته اللغوية والعقلية وغير ذلك وهذا الذي اسمه المتشابه؛ فالصواب في التصرف إذا صادفنا ذلك في أيةِ مسألة أننا نتمسّك بالمحكم الواضح البين الثابت، ونردّ المتشابه إليه، أي نردّه إلى المحكم ونفهمه على ضوئه، فإذا أمكن أن نفهم وجهًا للجمع بينهما وانسجم فهمنا للاثنين معًا وانتفى التناقض في أذهاننا فتلك الغاية ولله الحمد، وإن لم يمكن فإننا نتمسّك بالمحكم البيّن الواضح الثابت، ونكِل المتشابه إلى الله تعالى ونقول فيه: الله أعلم، لا ندري ما المقصود بهذا، وكيف نجمع بينه وبين ذاك الآخر ... وهكذا.
ومن الأصول المرعية عند الاختلاف: أن يعرف الإنسان أنه لن يستطيع أن يصل إلى اليقين في كل بل ولا جُلّ مسائل الدين والدنيا .. ! وحينئذ عليه أن يقنع بما ظهر له أنه الأقرب للصواب والأوضح والأظهر أنه المراد وأنه هو الحق بعد أن يبذل جهده في التحرّي والبحث وتقليب النظر ومقايسة الأمور والاستدلال عليها بأدلتها من الكتاب والسنة وغير ذلك. هذا إن كان من أهل النظر؛ فإن لم يكن منهم فإن اجتهاده إنما هو في تقليد الأورع (الأكثر ورعًا ودينًا وتقوى) والأعلم من العلماء حسب ما هو مبيّنٌ في محله في علم أصول الفقه.
ولأجل ذلك فإن من يصرُّ على أن يصل إلى يقين في كل مسألةٍ فإنه يضلّ ويصيبه انحراف .. ويشطّ