فهرس الكتاب

الصفحة 1432 من 1908

الموتَ ولم يصبر فقتل نفسه؛ فأشار إلى عدم الصبر على الجراح والألم ونحوه وإرادة التخلص من الحياة، وهذا هو معنى الانتحار.

ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين وغيرهما: (مَن قتل نفسه بحديدةٍ فحديدتُه في يده يتوجَّأُ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن شرب سمًَّا فقتل نفسه فهو يتحسَّاه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردَّى من جبلٍ فقتلَ نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدًا فيها أبدًا) (1) ، وفي حديث آخر في الصحيحين أيضًا: (ومن ذبح نفسه بشيء عذب به يوم القيامة) (2) ؛ فهذا معنى الانتحار وهو قتل النفس المجرّد عن غرض الجهاد وإرادة إعلاء كلمة الله تعالى، يشير إليه قوله -صلى الله عليه وسلم-من قتل نفسه بحديدة) وقوله -صلى الله عليه وسلم-من شرب سمًّا) وقوله -صلى الله عليه وسلم-من تردّى من جبل) .. فهذه الأفعال هي فعل القاتل لنفسه، لا في الله ولا لإعلاء كلمته، بل تخلّصا من الحياة وهمومها، وجزعًا من التكاليف والبلاء والتحديات والكَبَد الذي خلق اللهُ الإنسان فيه، والابتلاء، وهو ما أشار إليه بقوله: (بادرني عبدي بنفسه حرّمت عليه الجنة) والله أعلم؛ فهو كناية عن استعجاله الموت بتعاطي سببه بإنفاذ مقاتله؛ لأنه استعجل الموت قبل أجله عند نفسه، أما بالنسبة إلى الله تعالى فإن كل مقدور له أجله المسمى يعلمه الله تعالى وكتبه وقدره ويخلقه - عز وجل - كما أراد في الأجل الذي كتبه - سبحانه وتعالى -.

ومنها ما جاء في قوله - صلى الله عليه وسلم: (الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النار، والذي يقتحم يقتحم في النار) رواه البخاري (3) ، ومعنى (يقتحم) : يقتحم الموت، أي يقتحم الشيء المميت في حكم العادة كالنار ونحوه مريدًا: قتل نفسه .. ويؤيد هذا المعنى -أعني النهي عن قتل النفس على هذا الوجه- النهيُ عن تمنّي الموت؛ لضرٍّ نزل به الدعاء به وما في معناه.

ومثاله الآن: مسألة ما لو أسر الأعداءُ رجلا مسلمًا؛ فتردى من شاهق أو ألقى بنفسه أمام سيارة مسرعةٍ فقتل نفسه لكي يتخلّص من عناء وابتلاء السجن والأسر والتحقيق والتعذيب، فهذه مسألة الانتحار، لأنه قتلٌ للنفس لا بغرض إعلاء كلمة الله ونصرًا لدينه وجهادًا في سبيله، بل لمعنى راجع إلى حظّ النفس، والله أعلم، ولهذا لم يجز أحدٌ هنا الانتحار، مع أنه قد أجازه بعض الفقهاء المعاصرين في صورة يُتحقَّق فيها وقوع ضرر كبير كليّ، أي على جماعة المسلمين، كأن يكون المأسور حاملًا أسرار المسلمين وخططهم التي يقع بمعرفة العدو لها ضرر كبير على المسلمين وينجرّ عنه -في حكم العادة-

(1) صحيح البخاري (5778) ، صحيح مسلم (109) .

(2) صحيح البخاري (5778) بلفظ: (ومن قَتَل نفسه بشيء في الدنيا .. ) ، صحيح مسلم (110) .

(3) صحيح البخاري (1365) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت