فهرس الكتاب

الصفحة 1433 من 1908

مقتل أنفسٍ كثيرة مسلمة وغيرها من الأضرار والفساد والخراب؛ فهذا الذي أجاز له بعض الفقهاء الانتحار هنا، وهو راجع كما ترى إلى إعلاء كلمة الله تعالى ونصر الدين وحفظه، ومع كل ذلك فالمسألة محل بحثٍ، وأكثر أهل العلم يمنعونها، وإنما المراد بيان اعتبار الفرق بين قتل النفس لإعلاء كلمة الله، وبين قتلها على الأوجه التي ذكرت في أحاديث الوعيد المتقدمة، والله أعلم.

والمستشهِد -الفاعل للعملية الاستشهادية- ليس مريدًا لقتل نفسه في الأصل، مع أنه مستيقن لحصول ذلك -قتل نفسه- بالتبع؛ فهو لم يقصد من وجهٍ بهذا الاعتبار -وأما القصد باعتبار علمه القطعي بحصول الانقتال فهذا لا يضرّه فهو فيه كالمنغمس في صف العدو وقد جوّزتموه وجوّزه الجميع بشرطه-، ولا يفعل ذلك جزعًا ولا خوفا من بلاء أو تكليف أو همّ دنيوي ونحوه، وليس مريدًا للتخلص من حياته على طريقة المنتحرين القاتلين لأنفسهم المشار إليهم في الأحاديث، بل إنما يفعل ذلك الانقتال؛ لغرض إعلاء كلمة الله ونصرًا للدين، وهو يقول: لو أملك أن أنصر الدين بغير ذلك لما فعلتُ؛ فهو يقرّ أنه في موقف الاضطرار أو الحاجة الشديد المنزلة منزلة الضرورة، وقد صرّح علماؤنا أن الحاجيّات إذا عمّت وتعلّقت بجمهور المكلفين أنها تنزّل منزلة الضروريات، والله أعلم.

أو يقال: النهي عن قتل النفس والوعيد عليه مطلقٌ، قيّدناه بما لم يكن لإعلاء كلمة الله -بشروطه- بالدلائل المشار إليها .. والله أعلم.

فهذا حاصل عمدة ما استدل به الشيخ على تحريم العمليات الاستشهادية، مع الجواب عليها مما تحصّل من بحوث العلماء المجوّزين لها.

وأما باقي كلامه فهو كما ذكرت في المقدمة قد مزج فيه بين الاستشهادية والتترس، وليس هو محل بحثنا الآن، أو هو من باب الاستئناس وليس دليلا أصليا؛ كالمحاذير التي أشار إليها من اعتبار قيمة الأخ المجاهد الذي وصل إلى درجة أن يطلب الاستشهاد، وعدم جواز أن نفرّط فيه بسهولة، ونحو ذلك، وهو في جملته كلام حق وصدق نوافقه عليه، ولا يتعارض عندنا مع القول بتجويز العمليات الاستشهادية حيث احتيج إليها وقُدّر حصول النكاية المعتبرة بها وتوفّر فيها شرط الإخلاص لله تعالى وإرادة نصر الدين وإعلاء كلمته - عز وجل -.

وأما تحريمها من جهة أنه يقتل بسببها معصومون آخرون فهذه مسألة أخرى، فحيث منعناها هنا فإنما لمانعٍ خارجيّ، كما أشرنا إليها وقلنا إن الشيخ أبا بصير مزج بين المسألتين، ولا تلازم.

تكميل: قوله: «وما استُدل به على جواز أن يقتل المرء نفسه بنفسه لغرض إنزال النكاية بالعدو .. كالأدلة الدالة على جواز الإقدام والانغماس في صفوف العدو .. وقصة الغلام مع الملك .. ومسألة قتل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت