الترس .. فهي أولًا لا تعني أن يقتل المرء نفسه بنفسه .. وإنما تعني أن يُقتلَ على يد عدوه أو غيره لا بيد نفسه .. وهي ثانيًا متشابهة في دلالتها على جواز قتل المرء لنفسه بنفسه لغرض النكاية بالعدو .. حمَّالة أوجه ومعانٍ .. يُمكن صرفها إلى أكثر من معنى .. وإلى أكثر من وجه .. غير معنى ووجه قتل النفس بالنفس .. وما كان كذلك لا يصلح أن يكون دليلًا في المسألة .. ولا تُرد بمثله الأدلة المحكمة القطعية في دلالتها وثبوتها .. ولا يقوى على دفعها ومعارضتها» اهـ.
في هذا الكلام نظر من وجوه وفيه عدة مسائل متداخلة، أبينها في نقاط:
منها: أن الاستدلال بأدلة الانغماس، هو قياس بجامع تيقّن الانقتال، وأن المنغمس متسبب فيه؛ فهو كالفاعل لقتل نفسه، هذا وجه استدلالهم به، وهو قوي، وإن لم يكن قاطعا في المسألة.
ومنها: قصة الغلام، وهو أقوى أدلة المجيزين، ووجهه أن الغلام دلّ الملك الكافر الظالم على طريق قتله، بعد أن أعجزه ذلك، لغرض نصر الدين ودعوة الحق وأن يؤمِن الناسُ، ومنْ دل على قتلِ نفسه فهو كالمباشر لقتل نفسه، ولا فرقَ مؤثرًا هنا، والله أعلم، فتمَّ الدليل على أن الغلام قتل نفسه (في حكم من قتل نفسه إذ لا فرقَ) لغرض نصر الدين وإعلاء كلمة الله، فصحّ أنه ليس بمنتحر، وصحّ قولنا إن الانتحار غير الاستشهاد، والله أعلم.
ولو أن إنسانًا أراد التخلص من حياته جزعا وقلةَ صبرٍ على الهموم والبلاء ونحوه؛ فاستدعى صبيّا لا يميّز أو مجنونًا فأمره أن يشغل عليه جهاز كهرباء قاتلًا، أو أن يطلق عليه نارًا من سلاحٍ أو نحو ذلك، فهو قاتل لنفسه عند الجميع بلا خلافٍ.!
ومنها: الاستدلال بقتل الترس المسلم في مسألة «التترس» ؛ وهو قياس أيضا، فإن الإجماع حاصل على جواز قتل الترس في بعض الصور، فصار في بعض صوره أصلا يمكن القياس عليه .. الجامعُ أنه قتل لنفسٍ مسلمة معصومةٍ تعيّنَ سبيلا لإعلاء كلمة الله تعالى ونصر دينه، ولا فرقَ مؤثّرًا بين قتل المرء نفسه وبين قتله لنفس غيره من المسلمين المعصومين كعصمته أو أشدّ .. ! بل الذي قرره العلماء أن قتل الغير أشدّ وأغلظ من قتله لنفسه، فهو من باب أولى إذن، وهذا قوي كما ترى.
إذا تبيّن هذا، فقول الشيخ أبي بصير: «فهي أولًا لا تعني أن يقتل المرء نفسه بنفسه .. وإنما تعني أن يُقتلَ على يد عدوه أو غيره لا بيد نفسه» اهـ، لا يؤثر، لما بيّنّا أنه لا فرقَ بين أن يقتل نفسه وبين أن يقتل نفس غيره، ولا بين أن يباشر قتل نفسه أو يدلّ على ذلك ويتسبب فيه عالمًا مختارًا مريدًا.
ثم قوله: «وهي ثانيًا متشابهة في دلالتها على جواز قتل المرء لنفسه بنفسه لغرض النكاية بالعدو .. حمَّالة أوجه ومعانٍ .. يُمكن صرفها إلى أكثر من معنى .. وإلى أكثر من وجه .. غير معنى ووجه قتل