فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 1908

تلك الدولة.. ولا تسأل كبيرَ سؤال عن إسلامهم أو كفرهم..! وأنت تضرب اقتصادها وأملاكها وتفسد أموالها وتهلكها تخسيرا لها وإضرارًا بها..! وأنت بالجملة تمارسُ حربًا، بكل معنى كلمة حرب..!!

وما الحربُ إلا ما علمتمْ وذقتمو ... وما هو عنها بالحديث المرجّمِ (1)

لكن نحن بلا شك مقيّدون بأحكام الشرع المطهر.. فالأصل أننا لا نقتل مسلمًا..

لكن لأجل اختلاط الناس، ولأجل فسادهم وقلة دينهم، الذي يجعلهم يكونون مع المرتدين ويخدمون الدولة المرتدة، ويوالونها بدلَ أن يقوموا بالواجب في الخروج عليها، وأمثلهم طريقة الساكت الساعي في كسب عيشه في وظائفها ومرافقها، وذلك مردّه في الأكثر لا إلى الجهل، بل إلى اختيار الحياة الدنيا وزينتها وزخرفها والركون إلى العاجلة وإلى الراحة والدعة والمسكنة والرضى بخفض العيش في ذلة، يزين كل ذلك شبهات المشبّهين المموّهين من علماء السلاطين وعلماء الدنيا لا الدين..!

أقول: لأجل ذلك؛ فإن الناس انقسموا فريقين في هذه المسألة:

فريقٌ رأى أن ذلك مانعٌ من الجهاد، (بعد تسليمهم بأن الحكومة مرتدة، وأن الخروج عليها وجهادها مشروع في الأصل) واستدل بنحو قوله تعالى: {وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الفتح: 25] الآية، وبعموم أدلة تحريم قتل النفس المسلمة.

وفريق آخر غلَّب الأمر بالجهاد، وإن حصل في أثناء ذلك انقتال بعض المسلمين أحيانًا، مع وجوب التحرّي قدر الاستطاعة، أعني تحرّي ألا يصاب المسلم، ووجد هذا الفريق في مسألة التترس مستندًا، وأن الجهاد أوجبُ من توقي قتل مسلمٍ أو بعض المسلمين في الحرب، وجمعا بين الأدلة ما أمكن، فنجتهد في هذا وفي هذا، وقالوا: إن آية سورة الفتح لا تدل على المنع من أن نحارب العدوَّ الكافر (المحليّ أو الخارجيّ) في بلادنا بلادِ المسلمين؛ بل هذا واجبٌ قد أذن الله فيه وأمر به، وأجمع العلماءُ على مشروعيته (الخروج بالحرب والقتال على الحاكم إذا كفر) ؛ فلا يُعارض بالآية المذكورة، بل إما أن نقول: إن المنع في الآية قدريّ لا شرعيّ، أو خاصٌّ، أو نقول بترجيح الأدلة الأخرى الكثيرة، ونكلُ علم هذه الآية إلى الله تعالى.. وتكلموا في تفسير هذه الآية الكريمة بكلام له وجاهة كما تراه في كتاب

(1) البيت لـ «زهير بن أبي سُلمى المزني» الشاعر الجاهلي؛ كما في «معلقته» الشهيرة، ينظر: جمهرة أشعار العرب (ص 165) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت