فهرس الكتاب

الصفحة 1489 من 1908

للأمير وهي بذلك معصيةٌ لله - عز وجل -؛ فإن شؤم معصية المجاهدين لأمرائهم خطيرٌ ومبير، ويكفي فيه ما ذكره الله - عز وجل - لنا في القرآن في قصة أحد وجعله قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة تذكرةً للمتقين وتحذيرًا للعابدين, ذكر الله - عز وجل - ذلك في سورةٍ من أعظم سور القرآن -سورة آل عمران- في سياق حكاية قصة أحد وبيان ما حصل من معصية بعض المسلمين، وهي معصية الرماة أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي أمرهم بأن يلزموا أماكنهم ولا يبرحوها, قال: (ولو رأيتمونا تخطَّفنا الطير) (1) فلما رأوا بعض ما ظنُّوا أنَّ المعركة انتهت به لصالح المسلمين، وأنَّ المشركين قد ولَّوا منهزمين، اجتهدوا اجتهادًا على خلاف النص، وتأوَّلوا في ترك تطبيق الأمر الواضح، وتركوا أماكنهم ونزلوا على رغم مناشدة أميرهم لهم بعدم النزول وإباء الأمير وبعضٍ من إخوانهم النزول, فأنزل الله في ذلك هذه الآيات وسمَّى فعلهم معصية ونسبه لجماعة المسلمين وأخبر أنها كانت سبب ما نال المسلمين من الكسرة يومئذٍ ولله الأمر من قبل ومن بعد {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153) } [آل عمران] .. الآيات.

قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - في الفوائد المستفادة من قصة أحد: «فمنها تعريفهم سوء عاقبة المعصية والفشل والتنازع, وأنَّ الذي أصابهم إنما هو بشؤم ذلك، كما قال - سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ} .. الآية, فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم للرسول وتنازعهم وفشلهم كانوا بعد ذلك أشد حذرًا ويقظةً وتحرُّزًا من أسباب الخذلان» , قال: «ومنها أنه إذا امتحنهم بالغلبة والكسرة والهزيمة ذلوا وانكسروا وخضعوا، فاستوجبوا منه العز والنصر؛ فإن خُلعة النصر إنما تكون مع ولاية الذل والانكسار, قال - سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ (123) } [آل عمران] , وقال: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا (25) } [التوبة] ؛ فهو سبحانه إذا أراد أن يعزَّ عبده ويجبره وينصره كَسره أولًا, ويكون جبره له ونصره على مقدار ذله وانكساره» (2) انتهى كلامه - رحمه الله -.

أيها الإخوة: والذي يتضح من كلام علمائنا أنَّ معصية الرماة هنا للنبي -صلى الله عليه وسلم- كانت معصيةً له

(1) صحيح البخاري (3039) .

(2) زاد المعاد (3/ 196) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت