الدنيا، إنما يريد وجه الله - سبحانه وتعالى - هذه نيته، هذا الذي أنهضه وهذا الذي دفعه وهذا الذي أخرجه، «لا يخرجه إلا إيمانٌ بي وجهادٌ في سبيلي» -كما جاء في الحديث- هذا الضابط الأول لمعنى سبيل الله.
الضابط الثاني: أن يكون جهاده على وَفق شريعة الله - سبحانه وتعالى -، فهو يعمل الصالحات يعمل الخير فهو عاملٌ بالحق، داعٍ إلى الحق، آمرٌ بالحق، وناهٍ عمَّا ينهى عنه بالحق، ويقتل بالحق، ويقاتل بالحق، يقاتل ويقتل من أمر الله بقتالهم وقتلهم وأباح الله وشرع وأجاز قتالهم وقتلهم، لا يفعل شيئًا في جهاده وفي قتاله إلا أن يكون قد علم أنَّ الله رضيه وشرعه وأباحه له وجوَّزه وسوَّغه له، وهذا لا يُعرف إلا بالعمل النافع، الفقه في الدين، معرفة الفقه الذي هو متحصَّل من الكتاب والسنة، كما شرحه علماؤنا وأئمتنا - رحمهم الله - ورضي عنهم أجمعين.
فهذان هما الضابطان لطريق الله -سبيل الله-، الجهاد في سبيل الله يعني في طريق الله، جهادٌ في سبيل الله، السبيل هو الطريق، لكن الشريعة اختارت التعبير هنا بلفظ؛ جرى في لسان الشرع التعبير بلفظ «سبيل الله» لأن كلمة سبيل فيها نوع من الخصوصية أكثر من الطريق، كلمة الطريق لعلَّها كلمة استُعمِلت استعمالًا أوسع فجاءت الشريعة باستخدام هذا اللفظ ليكون له رونق أو نوع من البلاغة.
«جهادٌ في سبيل الله» سبيل الله هو هذا أيها الإخوة، سبيل الله هذا ضابطه وهاتان حافتاه: الإخلاص، والمتابعة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، المتابعة للشريعة، العمل على وَفق الشريعة، فلا يكون الجهاد محمودًا ولا يكون المجاهد مجاهدًا حقًّا وإن سمَّاه الناس مجاهدًا؛ النبي -صلى الله عليه وسلم- قصَّ علينا خبر الثلاثة الذين هم أول من تُسعَّر بهم النار يوم القيامة -حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في صحيح مسلم- قال: (واحد منهم رجلٌ قاتل في سبيل الله فقُتِل -يعني فيما يرى الناس كما جاء في بعض الألفاظ- قاتل في سبيل الله فقُتِل فيؤتى به، يأتي به الله - سبحانه وتعالى - يوم القيامة، فيسأله فيعرِّفه نعمه فيعرفها فيقول: فما فعلت فيها؟ فيقول: قاتلت في سبيلك حتى قُتِلت، فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ثم يؤمر به فيسحب على وجهه في النار -أو كما قال صلى الله عليه وسلم- قالوا له: كذبت إنما قاتلت ليُقال جريء) (1) ، شجاع وتُمدح بالشجاعة وتُذكر بالشجاعة، فهذا أحد الثلاثة الذين هم أول من تُسعَّر بهم النار؛ فمعناها أنه ليس مجاهدًا في نفس الأمر في الحقيقة، ليس مجاهدًا وإن سمَّاه الناس مجاهدًا، وإن جرينا نحن في لغتنا وفي استعمالنا على أنه مجاهد تسامحًا وتجوُّزًا، لكن المجاهد الحقيقي من هو؟ هذا الحديث فيه عبرة عظيمة.
هذا الحديث كان أبو هريرة - رضي الله عنه - إذا حدَّث به يُغمى عليه -يُغشى عليه- حتى يُرشَّ عليه الماء
(1) صحيح مسلم (1901) بنحوه.