فهرس الكتاب

الصفحة 1499 من 1908

فيقوم ويعود له الغشي أحيانًا يُغشى عليه أكثر من مرَّة، لأن هؤلاء الناس عملوا أعمالًا صالحةً، هذا قائم آناء الليل وأطراف النهار يقرأ القرآن ويعلِّم الناس القرآن، وهذا مُنفق في سبيل الله وأموال تجري ونفقه كبيرة في سبيل الله، وهذا مجاهد يبذل روحه ودمه في سبيل الله -فيما يرى الناس- ومع هذا عذَّبهم الله وعاقبهم بهذه الأفعال التي ظاهرها أفعال في غاية الصلاح.

هذا الحديث دال على أنَّ ليس كل من نراه مجاهد فهو مجاهد، ولا كل ما نراه جهادًا هو جهاد، علينا أن نبحث ونفتِّش وندقِّق لا بد أن نصيب الجهاد الذي هو جهادٌ عند الله الممدوح عند الله، حقيقة الجهاد ما هو؟ النبي -صلى الله عليه وسلم- لما عرَّف لنا الجهاد رجع بنا إلى قاعدة أصلية كبيرة جدًا، قال: (والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله) هذا حديث صحيح أيضًا في الترمذي وغيره (1) .

إذن معناها ممكن الإنسان يكون مجاهد في الصورة في الظاهر ويكون عمله جهادًا في الظاهر وفي الصورة ولكنه ليس مجاهدًا عند الله وعمله ليس جهادًا عند الله سبحانه، ليس معدودًا جهادًا ولا عمل صالح يكون يوم القيامة هباءً منثورًا ويكون وبالًا عليه يوم القيامة، فمن هنا كان لزامًا علينا نحن المسلمين والمجاهدين في سبيل الله أن نفتِّش عن أنفسنا وجهادنا وأن ننظر هل نحن مجاهدون حقًا أم لا؟ هل الذي نمارسه ونعمله جهاد حقيقي هو الجهاد الذي مدحه الله ورضيه وأحبه وأمر به أم شيء ثانٍ نحن نسمِّيه جهادًا؟ هذا كله يُعرف أيها الإخوة بالعلم النافع، بمعرفة أحكام الجهاد والمجاهدين وصفة المجاهد ومعرفة ما هو المجاهد على الحقيقة في كلام الله - سبحانه وتعالى - وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

ولهذا نكتفي -طبعًا الكلام طويل- ولكن نكتفي في هذا الإطار بمدارسة ومذاكرة حديث من أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- التي تبيِّن معنى الجهاد في سبيل الله وما يُرى جهادًا ولكنه ليس جهادًا في سبيل الله - عز وجل - لأنه لم يحقق إما الشرطين أو أحدهما، شرط الإخلاص وشرط المتابعة.

والحديث في السنن في سنن النسائي وغيره وفي مسند الإمام أحمد كذلك، أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الغزو غزوان) الغزو يعني الجهاد غزو الناس يكون على ضربين ونحوين، قسمان، الغزو غزوان، غزو صفته كذا وغزو صفته كذا حاصلها أنَّ أحدهما ممدوح وهو الغزو الحقيقي والجهاد الحقيقي والثاني لا ليس كذلك.

(الغزو غزوان) ثم فصَّل جاء بفاء التفريع والتفصيل فقال: (فمن غزى ابتغاء وجه الله وأطاع الإمام وأنفق الكريمة وياسر الشريك واجتنب الفساد في الأرض فإنَّ نومه ونبهه أجرٌ كله، ومن غزى

(1) سنن الترمذي (1612) وصححه الألباني، مسند أحمد (23966) وقال: حديث صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت