الناس، وإرادة العلو في الأرض والفساد وأعراض الدنيا والغلبة على الناس؛ لأن المجاهد تعتريه آفات وفتن كبيرة، من أخطر الآفات التي تعتري المجاهدين ويبتلون بها وعليهم أن يجاهدوا أنفسهم إزاءها ويعتصموا بالله - سبحانه وتعالى - هي فتنة العلو على الخلق، والظلم للناس، وأخذ أموالهم وأخذ حقوقهم بغير حق، بغير إذنٍ من الله - عز وجل -، وبغير إذنٍ من الشريعة، لأن الإنسان إذا ملك السلاح وصار له مُلك وتمكن في الأرض؛ فإن هذه النفس الأمارة بالسوء تأمره وتدعوه وتميل به إلى ما تهواه من الغلبة على الناس والترفع عليهم والظهور فوقهم والأمر والنهي والسلطنة؛ فعلى الإنسان المجاهد أن يكون متواضعًا وألا يقع في هذه المحذورات العظيمة، أن ينتبه إلى جهاده وإلى قلبه وإلى نفسه وإلى عمله فينضبط بشريعة الله - سبحانه وتعالى - ويتواضع لله: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) } [آل عمران] .
ومن الفساد أيضًا: الفساد في وسط الجماعة المجاهدة بالفتنة والكلام بالتثبيط وبالتخذيل، وببث الفتن بين الناس؛ الإرجاف مثلًا والطعن في المؤمنين وفي جماعاتهم وفي قياداتهم وفي علمائهم أو غيرها بغير حق، هذا كله من الفتن، ومن الفساد في الأرض.
ومساوئ الأخلاق -عمومًا- في التعامل مع إخوانه في الجهاد، هذه كلها من الفساد الذي يبغضه الله - سبحانه وتعالى -، فالمجاهد الحقيقي -إذن- من شرطه أنه يجتنب الفساد في الأرض؛ فإذن هذه خمسة شروط.
(فمن غزى ابتغاء وجه الله وأطاع الإمام وأنفق الكريمة وياسر الشريك واجتنب الفساد في الأرض) قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فإن نومه ونبهه أجرٌ كله) هذا جواب الشرط أو الجزاء، فمن غزى وكذا وكذا بهذه الصفات (فإن نومه ونبهه أجرٌ كله) ؛ يعني نومه أو صحوه، كله أجر، ومعدود كله ومصبوب في ميزان حسناته، لا يمضي عليه ثانية ولا دقيقة وهو في ساحات الجهاد بهذه الشروط -الجهاد الحقيقي- إلا وهو إيش؟ العدَّاد يحسب، عداد الحسنات والملائكة تكتب يقظته ومنامه؛ (فإن نومه ونبهه أجرٌ كله) .
والغزو الثاني أيها الإخوة؛ النوع الثاني والقسم الثاني من الغزو ومن الجهاد الذي يراه الناس غزوًا ويسمَّى غزوًا ونسميه غزوًا ونسمِّيه جهادًا؛ من باب اعتبار الظاهر، من باب اعتبار الصورة، النظر إلى الصورة وإلى الظاهر فقط أو من باب الدعوى، اعتبار الدعوى، اعتبار دعواه، هذه كلها اعتبارات مبنية على التسمُّح، النبي -صلى الله عليه وسلم- سمَّاها غزوة أيضًا في أول صدر هذا الحديث؛ (ومن غزى فخرًا ورياءً وسمعةً وعصى الإمام وأفسد في الأرض فإنه لن يرجع بالكفاف) من غزى بهذه الصفات وهذه الأعمال المصاحبة لغزوه وجهاده وعدَّها خمسًا، بعضها يقارب بعضًا في المعنى، لكن هي خمسٌ أيضًا كأنه تنظير بالأول ومُشاكلةٌ له.