بالنسبة للطفل، يجب أن يقلد حتى يمشي ويسير مع الناس، وعندما يكبر تصير لديه اختيارات، الحالة الأولى يسميها العلماء «الحالة الطَّبْعية أو النفسية» ويسمونها «حجاب النفس» أو «حجاب الطبع» فهو يمشي على طبع الناس، على ما وجد عليه الناس وعلى ما خلقه الله، أيضًا جزء من قوتة التي يتحرك بها قوة الفطرة والغريزة والقوة التي أودعها الله - سبحانه وتعالى - فيه كإنسان من البداية، لكن عندما يكبر يصل إلى حد معين يصبح عنده تأمل واختيارات، ويبدأ يتفتح على معرفة الأشياء التي فيها متضادات؛ يوجد خير ويوجد شر ويوجد فروق بين الأشياء، هذا قال خيرًا هذا قال شرًا وأيهما أحسن، هذا رجل يعطي وهذا رجل بخيل لا يعطي، يبدأ في معرفة البخل والعطاء والكرم والجود والأخلاق ويقارن بينهم، مثلًا كيف هذا الرجل قاسٍ وعنيف يضرب الفقير وينهر المسكين، وهذا يحن عليهم ويودهم ويعطف عليهم؛ فيقارن بين نماذج يراها.
لكن على كل حال هو بدأ يميز ويختار لكن باقي عنده حجاب آخر يسميه العلماء «حجاب الرسم» معناه أنه هو يجري على رسوم قومه، رسوم معينة، ومواضعات اتضع عليها الناس، فهو يمشي عليها في البداية، مثلًا: جاء وجد قومه يحبون الشرف والفخامة والرجولة والشجاعة يمشي ويفاخرهم، يحبون الفصاحة في الكلام والشعر إذا شهر فيه الشعر والأدب يمشي ويحاول يكون مثلهم ويتفوق عليهم، وإذا كان قومه من أهل الخيل يحبون الخيل وركوبه يمشي على ما وجد عليه قومه، هذه رسوم معينة هو يمشي عليها فترة ما، عادة الإنسان أن يمشي على هذا؛ لكن بحسب قوه الإنسان وما يعطيه الله - سبحانه وتعالى - من الهداية يبدأ يتفكر ويتأمل ويقول مثلًا: أنا أصرف عمري في الخيل وتتبعها والتمييز بين أصواتها وصهيلها وألوانها ومن أبوها وأمها وجدها، أنا لدي أولويات أخرى أو اهتمامات أخرى، أنا عمري محدود .. فيبدأ يتفكر ويتأمل في حاله وفي نفسه.
سيسمع طبعًا أن هناك أنبياء أرسلوا وهناك رسل جاءت من الله - سبحانه وتعالى - يدعون إلى كذا وكذا، وأن هناك مصلحين وأن هناك أئمة وأن هناك قادات وأن هناك رجال برزوا في التاريخ، وأن هناك الشر وأن هناك أمم تعاركت وتطاحنت، فتتسع مداركه ويخرج قليلًا عن «حجاب الرسم» ، فمثلًا إذا رأى الخير واضحًا في جانبٍ ما فيمكن أن يكسر الصور والرسوم العالقة في ذهنه كلها ويثور عليها ويتمرد عليها.
ولكي يكسر هذه الرسوم والصور العالقة في ذهنه والعادات والتقاليد التي كان عليها أجداده وقومه والمواضعات الاجتماعية التي عليها قومه -إن كانت ينبغي تكسيرها مثلًا سواء إما من حيث الأصل أو على الأقل بالنسبة له هو في وقت ما وفي زمن ما-، نفرض أن قومه جارُون -أي معتادون- على شيء مباح لكنه نظر فوجد أن هذا المباح ليس وقته الآن، ضياع وتلبيس من الشيطان بإيقاعنا في