المفضولات وإغنائنا وإلهائنا عن الفاضل؛ فتفطن لهذا بعد أن هداه الله لهذا فيكسره ويدوس عليه .. لكي يصل للفاضل، ولكي يفعل ذلك يحتاج إلى قوة، وهذه القوة ليس لها حل إلا بتوفيق الله - عز وجل -، قوة العزيمة وقوة الإرادة وقوة أن يدوس على كل المواضعات والرسوم كلها وهو لا يبالي بها وإن خالفته الدنيا كلها.
قوة العزيمة وقوة الإرادة يخلقها الله - سبحانه وتعالى - في العبد، ولها أسباب: ومن أسبابها تَربية الإنسان دائمًا على قوة الاختيار من صغره؛ فتكون همته عالية ولهذا يُهتم في تربية الأطفال بتعليمهم الهمة العالية، فالطفل إذا قال لك أريد أن أفعل شيئًا ما، قد يكون شيئا كبيرًا لا يستطيع فعله، فقل له: اذهب وافعله الله يوفقك، ولا تزجره وتقول له: إنك لا تستطيع أن تفعل ذلك فتكسر بذلك إرادته، بل دعه يجرب؛ لكي تكون عنده إرادة قوية، ولكن انتبه ألا يكون هذا الشيء كبيرًا جدًا بحيث لا يصاب بخيبة أمل، فالإحباطات المتكررة قد تؤدي به إلى عدم الثقة بنفسه، هذا ما يتحدثون عنه في التربية.
لكن المقصود بذلك أن الإنسان، وليس شرطًا الطفل، ولكن عادة النفس البشرية تُمثل بالطفل، فالعلماء والحكماء وأهل النظر والتأمل يشبهونها بالطفل، وهذا شهير في تشبيهاتهم:
والنفس كالطفلِ إن تتركه شبَّ على ... حبِّ الرضاعِ وإن تفطِمْه يَنفَطِمِ (1)
وكثير من كلام العلماء والأدباء والشعراء شبهوا النفس بالطفل، وأيضًا من التشبيهات الأخرى أن يشبهوا نفسك بإنسان آخر معك، فنفسك التي بين جنبيك اعتبرها إنسانًا آخر معك تربي فيه، وهذا الإنسان كالطفل فأيضًا لا تضغط عليها كثيرًا؛ لكي لا تنفجر وتصل إلى قضية الكذب ونحو ذلك؛ بل سايسها يعني ساعة وساعة كما جاء في الحديث (2) ، أي الترويح عن النفس ونحو ذلك، والمقصود من ذلك مسايسة النفس؛ فهذا الأمر مهم في التربية.
نعود إلى تقوية العزائم وتقوية الإرادة؛ تقوية الإرادة يقصد بها أن الإنسان يجب أن يحاول البحث عن الأسباب التي تقوي الإرادة في نفسه، وإن كان عنده أيضًا تعلق بالنظر والاجتماع فعليه أن ينظر كيف يقوي الإرادة في مجتمعنا؟ فنحن كجماعة صغيرة وكأمّة، كيف نقوي الإرادة في الأمّة؟ فلا بد من النظر في هذا، وهناك عدة أسباب لكن غالبها يعتمد على التدرج في التوقي في العزائم والإرادات،
(1) قاله: البوصيري صاحب البردة، كما في: البردة (ص 3، بيت رقم 19) .
(2) يعني بذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَة) رواه مسلم (2750) .