فهرس الكتاب

الصفحة 1568 من 1908

وما تعرض له الأنبياء كقتل النفس، وإخراج الإنسان من أرضه كقتله، الهجرة؛ ولهذا جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إني أريد الهجرة، قال: (وَيْحَكَ؛ إِنَّ الهِجْرَةَ شَانَهَا شَدِيدٌ .. فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ البِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا) الحديث في البخاري (1) .

الهجرة أمرها شديد جدًا وعظيم، مفارقة الأهل والأولاد، والقوم الذين تربى فيهم الإنسان والديار والوطن الذي أحبه الإنسان وعاش فيه؛ فليس أمرًا سهلًا، هو شاق غاية المشقة، هذا التكليف صعب .. لكن أحيانًا يكون لا بد منه، الله - سبحانه وتعالى - أخبرنا أنه لم يكلفنا إلا ما هو تحت طاقتنا، في حدود طاقتنا، قال الله - سبحانه وتعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7] ، فالله - سبحانه وتعالى - لا يكلفنا إلا ما نطيق {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا} [البقرة: 286] فالله - سبحانه وتعالى - أوجب وتعهد أنه لا يكلفنا إلا ما نطيق، وإلا ما نقدر عليه، وإلا ما هو داخل تحت استطاعتنا وقدرتنا، لكن هذا الذي داخل تحت استطاعتنا وقدرتنا أنواع وأصناف، منها تكاليف بسيطة وصغيرة سهلة على كثير من الناس، ومنها المتوسطة، ومنها الشاقة جدًا، من أشقها: الهجرة والجهاد؛ ولهذا كان الجهاد لا سيما إذا كان معه هجرة: ذروة سنام الإسلام، يعني القمة العالية جدًا، التي يصل إليها الإنسان في إسلامه، أعلى شيء، ذروة سنامه، تشبيه ذروة سنام الجمل يعني أعلى شيء فيه، فهذا ذروته، وذروة الشيء أعلاه.

فالتكاليف إذن متنوعة، كلها فيها مشقة، طلب ما فيه مشقة أو إلزام ما فيه مشقة، لكن المشقات مختلفة.

أتانا العدو وهجم على أرضنا، ابتلانا الله، امتحننا الله، اختبرنا الله، كتب علينا أن العدو جاءنا وهجم على أرضنا، ونحن مكلفون بالجهاد، وقع التكليف واتفقت كلمة العلماء هنا على أن الشريعة تأمر حينئذ بالتصدي للعدو ومقاومته ومجاهدته، ورده، ودفعه، ومصاولته، ومعارضته، حتى نصده عن بلاد المسلمين، ثم بعد ذلك لما ندفعه ويرجع إلى أرضه، مطلوب منا أن نمشي خلفه، لكن هذا طلب آخر بعده، جهاد ثانٍ، جهاد الطلب .. لكن جهاد الدفع هذا واجب متحتم، متفقة عليه الكلمة بالإجماع، من أقوى الإجماعات في الشريعة، تدبرتُ أنا مجموعة كبيرة من الإجماعات، من أقوى الإجماعات -يقترب من الإجماع القطعي- هذه المسألة، كثير من مسائل الشريعة في فروع الشريعة التي اُدعي عليها الإجماع وحكي فيها الإجماع، ونقل فيها الإجماع منظور فيها، ومعظمها قابل للقدح بإثبات المخالف، ومعظمها ظني، لكن هذا الإجماع لا يوجد أقوى منه تقريبًا، يقترب من الإجماع على وجوب

(1) صحيح البخاري (1452، 2633، 6165) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت