طالب الحديث -في الماضي هم يقصدون بطالب الحديث طالب العلم؛ لأن طلب الحديث والرحلة في طلبه كانت هي المشهورة في ذلك الوقت، والمقصود: الذي يرحل في طلب الحديث، ويشافه الأشياخ- فيحصل له مكانة في الناس، وتعظمه الناس، فقال: «حظٌ وافق حقًا» (1) يعني حظ للنفس وافق حقًا، اتفق مع الحق، وانتظمه الحق انتظامًا وأقرته الشريعة، أنت ما سعيت له؛ ولهذا طالب العلم أو الإنسان الذي يعمل الصالحات ثم يمدحه الناس، قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سئل عنه في حديث أبي ذر - رضي الله عنه - في صحيح مسلم، سئل عن الرجل يعمل العمل الصالح فيمدحه الناس، قال: (ذلك عاجل بشرى المؤمن) (2) .
إذا عمل حتى يكسب ثناء الناس ومدحهم يصير هذا -والعياذ بالله- مراءاة يعمل لغير الله، هذا يعمل لكسب ثناء الناس، لكن إذا عمل عملًا صالحًا ومدحه الناس، قالوا: هذا رجل طيب يعمل الخير، الحمد لله، أن الله - سبحانه وتعالى - جعل ذكري حسنًا عند الناس، الحمد لله، هذه نعمة الله - سبحانه وتعالى - عليه، لكن أنا لا أعمل لها، وأجاهد نفسي ألا أعمل لها.
فالمقصود أن الدين هو مجموعة من الأوامر، مجموعة من التكاليف نحن مأمورون بها، نخضع لها، ونطبقها ونؤديها على قدر استطاعتنا، قال الله - سبحانه وتعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] عجزت؟ تقول: والله يا رب أنا حاولت واجتهدت ولكن عجزت، ما قدرت، لم يستطع أن يصلي قائمًا، يصلي جالسًا، يصلي مضطجعًا، لم يستطع صوم رمضان قال له الله - سبحانه وتعالى: عليك فدية، لم يستطع أن يجاهد في سبيل الله، يده مقطوعة وأعمى ونحوه، قال: يا رب لم أستطع؛ هذا العجز، الذين هم أصحاب الأعذار الشرعية الذين لم يستطيعوا أن يطبقوا العبادة على نحو ما، إما أن الله - سبحانه وتعالى - نقلهم إلى بديل، أو أعفاهم بالكلية.
الشريعة فيها تفاصيل، لكن نحن نذكر أمثلة، قلنا في البداية أن معظم كلامنا سيكون في الكليات، وليس في التفاصيل، فالمقصود هنا بيان معنى الدين، الدين هو مجموعة أوامر ونواهي، وتكليفات.
ومعنى التكليف أنه طلب ما فيه مشقة .. يجب علينا أن نلتزم ابتداء أننا نطبقها ما استطعنا (وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت .. ) (3) نقولها كل يوم صباح ومساء في سيد الاستغفار، ونعاهد الله - سبحانه وتعالى - ونجدد كل يوم؛ ولذلك هذه هي فائدة الأذكار، تذكير هذه النفس البشرية دائمًا أن تجدد العهد مع الله:
(1) انظر: فتح الباري (2/ 171) .
(2) صحيح مسلم (2642) بلفظ: (تِلك عاجل .. ) ، وأما لفظ (ذلك عاجل .. ) ففي: سنن ابن ماجه (4225) وصححه الألباني.
(3) صحيح البخاري (6306) .