فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
صغير، فالله - سبحانه وتعالى - إذن قد ابتلانا بهذا الدين، قال الله - سبحانه وتعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} [الإنسان: 2] خلقناه لنبتليه، وجملة {نَبْتَلِيهِ} في موضع الحال، يعني خلقناه مبتلين له، أو مبتلينه، مبتلين إياه؛ فالله - سبحانه وتعالى - خلقه وهو يريد أن يبتليه، وأن يختبره، وأن يمتحنه، بماذا اختبره؟ اختبره بالتكاليف؛ لينظر الله - سبحانه وتعالى - وليستخرج في عالم الشهادة عبوديته، أو تمرده على الله ورفضه لعبادة الله - سبحانه وتعالى - .. هذا هو الابتلاء والاختبار والامتحان.
هذه الامتحانات والابتلاءات هي التكاليف؛ منها الشاق ومنها الخفيف .. في حال العافية وحال السلامة وحال الرخاء وحال الخلو من المحن؛ يدخل كثير من الناس في الدين ويبذلون طاعة الله - سبحانه وتعالى -، لكن إنما يتميز العابدون لله - سبحانه وتعالى - حقًا في وقت الشدائد ووقت الامتحان والابتلاء، إذا وُضعوا على هذه المحكات التي يتميز بها الخلق، كما قال الله - سبحانه وتعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} [آل عمران: 179] ؛ فيه إشارة إلى أن الله - سبحانه وتعالى - وهو كذلك- يعلم الغيب، يعلم حالهم ولا يحتاج أن يمتحنهم لو كان الأمر متعلقًا بعلم الله، لكن الله - سبحانه وتعالى - أراد أن يظهر هذا إلى عالم الشهادة، الله - سبحانه وتعالى - لا يعذب أحدًا إلا على ما ظهر منه، وإنما يعاقب العباد أو يثيبهم على الشيء الذي ظهر وتحقق فيهم في عالم الشهادة، أما عالم الغيب يعلمه الله - سبحانه وتعالى - وقد استأثر به، لكن عالم الشهادة يظهره الله أمام الخلائق.
فالمقصود أن الله - سبحانه وتعالى - خلق الإنسان ليبتليه ويكلفه، وجعل محل الابتلاء هذه الدار الدنيا التي هي دار ابتلاء ودار امتحان ودار اختبار، تبدأ فيها مرحلة امتحان الإنسان من مرحلة تكليفه بأن يبلغ العقل، وهذا هو البلوغ الذي أنيط به التكليف، وهو مرحلة تهيؤ العقل بشكل مناسب لأن تناط به التكاليف؛ فيخاطب بالأحكام من لحظة بلوغه إلى أن يموت الإنسان عاقلًا فتنتهي فترة الاختبار، وتسحب منه ورقة الامتحان، ويُنظر بعد ذلك إلى صحيفته وفي إجاباته: هل أحسن الإجابة أم لم يحسن؟! هذه فترة الدنيا؛ فترة الامتحان وفترة الاختبار.
الامتحانات أحيانًا تكون شاقة وصعبة، ومن ذلك: امتحان الجهاد وامتحان الهجرة، وامتحان أن الله - سبحانه وتعالى - يسلط علينا عدوًا ويسلط علينا طواغيتًا؛ لينظر الله - سبحانه وتعالى - ماذا نعمل، فلا يُعترض على الله - عز وجل - أنْ كيف اختبرتنا بهذا، نحن نريد أن نعيش في سلام .. الخ، فنحن عبيد الله لا يُسأل الله عما يفعل ونحن العبيد نُسأل، {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) } [الأنبياء: 23] الله - سبحانه وتعالى - هو خالق الخلق، وهو مدبرهم، وهو ربهم وهو مالكهم، يفعل ما يشاء فيهم، لو عذب أهل سماواته وأرضه لم يكن ظالمًا لهم ولا يسأله