فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
{فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} المراد أن قدم الإنسان الذي دخل في الإسلام ولمّا تثبت ولمّا ترسخ قدمه في الدين بعد؛ فتزل بعد ثبوتها، وكذلك من باب أحرى وأولى الكافر الذي لم يدخل بعد في الإسلام، ويُراد منه ويُرجى منه أنه يدخل، وربما يريد أن يدخل؛ فلما يأتي ليدخل يرى أخلاقكم هكذا؛ فينصد عن الدين، يراكم سارقين، متكالبين على الدنيا، مهتمين بالسفاسف، كذب وحلف بالباطل، وتعمد الحنث، والأيمان الغموس، عدم الوفاء بالعهود، عدم الوفاء بالأمانات، خيانات، ما هذا الدين؟ فينصد، ويترك، وتكونون أنتم فتنة له وسبب في انصداده عن الدين: {وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} وهذا وعيد شديد، نسأل الله العفو والعافية والسلامة (1) .
فليتنبه المسلم خاصة أهل الجهاد والدعاة إلى الله - سبحانه وتعالى - والعلماء والقيادات والناس المقتدى بهم .. عليهم أن يتنبهوا جدًا جدًا إلى هذه المعاني، ولا يصدوا الناس عن دين الله بسوء أعمالهم ومقابحها؛ فهذه هي الفتنة.
والفتن أسبابها كثيرة متعددة غير منحصرة، وعلى الإنسان أن يحذر منها وينتبه لها، وأحيانًا تكون بسيطة جدًا؛ فالنبي -صلى الله عليه وسلم- في قصة صفية، كانت صفية وكان بيتها في العوالي وبعيدة قليلًا، فخرج يشيعها بعد أن سهرت عنده؛ خرج يمشي معها حتى تقترب من البيت ويتركها، فأتى اثنان من الأنصار فرأوه مع امرأة في الليل! ماشي وأنت معك امرأة في الليل من يعرف أنها امرأتك أو غيرها؟ فناداهم النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنها صفية) يعني اعلما أن هذه صفية زوجتي، فطبعًا استعظما الأمر وقالا: «والله يا رسول الله ما كنا نشك» أو كما قالا؛ فقال: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما أو في أنفسكما شيئًا) (2) فبين لهم أن هذا الإجراء إجراء وقائي من النبي -صلى الله عليه وسلم- شفقة منه ورحمة بهم، شفقة منه (وهو الذي وصفه ربه - سبحانه وتعالى - بأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(128) } [التوبة] فحرصًا منه وشفقة على أمته وعلى هؤلاء الأنصار وهؤلاء الاثنين أن يبين لهم حتى لا يترك فرصة للشيطان أن يقذف في قلوبهم شيئًا؛ لأنهم الآن ربما لا يكون عندهم شيء، ولكن -مثلًا- يذهبوا ثم يأتي الشيطان يوسوس، وممكن تنسى وأنت عادي طبيعي جدًا، ثم تحصل حادثة أخرى تقول: نعم، معنى هذه التي رأيتها المرة الفائتة إذن هي هكذا! ولهذا على الإنسان أن ينتبه.
(1) حدثنا بعض مشايخنا في أرض الجهاد قال: «من ساق عاصيا إلى الكفر كان له به كفل» أي وزر وإثم؛ انتزعها من هذه الآية.
(2) صحيح البخاري (2038، 3281) ، صحيح مسلم (2175) وقد قالا: «سبحان الله يا رسول الله!» .