فهرس الكتاب

الصفحة 1613 من 1908

تسوي بينهما، بل تفرق.

مثال: أقدار الناس المختلفة؛ الكبير والصغير، والسابق واللاحق، والعالم والجاهل، والمجاهد وغير المجاهد، والمؤمن والفاسق، تعطي كل ذي حق حقه؛ لا تسوّي بينهم في الاعتبار: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) } [القلم] .

نقول: هذا أفضل في الحكم، ونقول: هذا صالح ونعطيه درجته، نقول: هذا فاسق أو يستحق كذا، كل واحد نعطيه حقه، ناس متساوية مثلًا فهي متساوية في الحكم بلا تفريق بينها، إو كانت مختلفة في علم الله فنحن لسنا مكلفين بهذا، كتساويهم في السبق والجهاد والصلاح .. هؤلاء متساوون مثل بعضهم؛ فلا نأتي لواحد فاضل ونبخسه حقه من إيمان وجهاد وهجرة وصلاح وعلم وفضل ونجعله في مرتبة الناس الذين ليس لديهم هذا كله؛ بل نفرق بين الناس! فهذا التفريق بين المختلفين.

من أظهر الأمثلة التي نحتاج فيها إلى فهم معنى العدل: مسألة العطاءات، وكذلك مسألة الولايات؛ والتقديم والتأخير فيها، والخطأ الذي يحصل عند كثير من الناس أنهم جعلوا العدل بمعنى التسوية مطلقًا، ولهذا حتى في الشعارات الحديثة مثل الثورة الفرنسية شعارها «إخاء وحرية ومساواة» اقتبسها العرب منهم وترجموها.

العدل ليس هو المساواة! بل هو: إعطاء كل ذي حق حقه، هو تسوية بين المتماثلات، فإذا وُجدت المختلفات كيف تسوي بينها؟ ينبغي تفرق، لكن لما تأتي تفرق، تفرق بهواك؟ لا، فرّق على مقتضى الدليل، الدليل يقول: لا، هذان مختلفان، فرق بينهما، هذا يستحق كذا تعطيه كذا، وهذا يستحق كذا تعطيه حقه، فالأشياء المختلفة، لا تسوي بينها في العلم والأفكار والمناهج والأحكام العلمية.

باب القياس مبناه على هذا؛ الأشياء المتساوية المتماثلة سوّت بينها الشريعة في الحكم؛ فالقياس هو: إلحاق فرع بأصل لجامع بينهما؛ إلحاق فرع بأصل في الحكم لتساويهما أو لانعدام الفارق، فالفقيه أحيانًا يعتمد في القياس فقط على نفي الفارق، يقول: لا يوجد فارق مؤثر بين هذا وهذا فحكمهما سواء، هذا يسمونه «القياس بنفي الفارق» يعني هو صب نظره على نفي الفارق .. وهذه كثيرًا ما نحتاجها في المسائل العلمية.

ينظر الفقيه ويقلب وجوه النظر يقول: هل هذا له تأثير أم ليس له تأثير؛ فيخرج بنتيجة في بعض المسائل أنه لا يوجد فارق مؤثر بين هذا وهذا، المقصود بالفارق: الذي له تأثير، وإلا قد يكون هناك فارق ككون أحدهما أبيض والآخر أسود؛ فهذا وصف طردي ليس له تأثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت