فهرس الكتاب

الصفحة 1614 من 1908

وإذا كان قياسًا جليًا واضحًا؛ كأن تكون الشريعة وضحت العلة في حكم معين وجاءت مسألة ثانية فرع لها فنلحقه بالأصل؛ لأن نفس العلة فيهما واضحة جدًا، نلحقه بها .. لكن لا بد أيضًا ألا يكون فارقًا مؤثرًا، نفي الفارق لا بد منه.

إذن؛ العدل في كل شيء، في الأحكام التي نطلقها على الأشياء -على التصورات كلها كيف نحكم عليها ونصدق عليها- في كل شيء، المتعلقة أيضًا بالأشخاص، والمتعلقة بالقسمة بين الناس والعطاءات والتوليات وفي أقدار الناس ومراتبهم وهكذا نحتاج إلى مفهوم العدل، الخطأ الشائع الذي يحصل عند الناس أنهم يظنون أن العدل هو مطلق التسوية.

ذو الخويصرة -صاحب الخوارج الأول- الذي خرج في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وحديثه في الصحيحين، الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يخرج من ضئضئ هذا قوم .. ) وساق حديث الخوارج الطويل (تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم .. ) إلى آخره؛ فذو الخويصرة هذا كان رجلًا فيه تنطع وسخافة عقل فرأى النبي -صلى الله عليه وسلم- يقسم شيئًا من الغنائم، فقال: والله إن هذه قسمة ما أُريدَ بها وجه الله! نسأل الله العفو والعافية والسلامة؛ فغضب النبي -صلى الله عليه وسلم-، غَضِبَ لله - سبحانه وتعالى -؛ لأن هذه إهانة للرسول (، وتكذيب له في الحقيقة هو آيلٌ إلى التكذيب.

فقال صلى الله عليه وسلم: (أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني!) أو كما قال صلى الله عليه وسلمفي لفظ: (أيأمنني على وحي السماء ولا تأمنوني) (1) يعني الله - سبحانه وتعالى - اصطفاه واختاره واجتباه وجعله رسولًا، وأنت تأتي تخوّنه في قسمة عرم كبير وعرم صغير! أين عقلك أنت يا ذا الخويصرة؟!

ولو أردنا تحليل قصة ذي الخويصرة؛ فنجد أن قصده أنه رأى القسمة فنظر بعقله أن هناك حاجة كبيرة وحاجة صغيرة مثلًا، نفرض لما جاء هذا القاسم الذي يقسم -وهو النبي -صلى الله عليه وسلم- - قسم قسمة، عطاءات، خذ هذا لفلان، وأعطِ هذا لفلان، أو للعائلة الفلانية، أو بني فلان، فذو الخويصرة جلس ينظر إلى القسمة فلم تعجبه؛ رأى بعض الحاجات أكثر من بعض، فاكتفى بهذا وحكم به، هذه الرؤية التي رآها مجرد أنه رأى نوعًا من عدم الاستواء، الأكداس ليسوا مثلًا أو الأشياء المقسومة ليست كمثل بعضها، فظن أنه يجب أن تكون كلها متساوية؛ لم يفهم موضوع العدل؛ فرأى هذا بعقله.

رأى أن هذه القسمة غير سوية، فاعتمد على هذا وحكم بأن هذه القسمة باطلة وبالتالي ما أُريد بها وجه الله، ما فيها عدل، من نظرته هو؛ فقال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: «اعدل فإنك لم تعدل» .. فاعتمد على أن هذه

(1) انظر قصة ذي الخويصرة التميمي في: صحيح البخاري (3344، 4351، 7432) ، صحيح مسلم (1064) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت