كبيرة وهذه صغيرة وأنهم ليسوا كمثل بعض وليس بينهما تسوية؛ لأنه في ذهنه رى أن العدل هو التسوية، وليس كذلك؛ لأنه من الممكن أن هذا الشخص كبير أو عائلته كبيرة، وأسباب الاستحقاق أكثر وأقوى؛ فأعطاهم شيئًا كبيرًا، وأناس أقل عددًا أو فضلًا أو سابقة بحسب أسباب الاستحقاق فأعطاهم قليلًا، فهذا هو ما يستحقون، فهؤلاء أعطاهم ما يستحقون، وأولئك كذلك؛ فليست التسوية شرطًا، هذا ظن أن العدل هو التسوية، والعدل ليس التسوية، بل هو: إعطاء كل ذي حق حقه .. فإذا كانوا يفترقون في أسباب الاستحقاق تفرق بينهم بحسب ما يستحق كل واحد.
فذو الخويصرة لم يفهم معنى العدل وظنه التسوية؛ هذا هو الشيء الأول.
وحتى لو فُرض أنك رأيت خطًا في التفريق؛ فأنت بهذا تلغي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كله! الذي اختاره الله - سبحانه وتعالى - واصطفاه واجتباه وأرسله للعالمين رحمة، وائتمنه على وحي السماء وهو خير خلق الله، وأتقاهم لله وأعلمهم بالله وأشهدهم له خشية، وأرضاهم عند الله - سبحانه وتعالى - وخير خلق الله أجمعين وأكرمهم على الله، هذا كله ألغاه بمجرد أنه رأى شيئًا هكذا؟! فهذه هي عقلية ذي الخويصرة وهي عقلية لا تؤدي إلى النجاح؛ بل آيلة إلى الانحراف عن الدين والفساد والزيغ والضلال وهذا هو حال الخوارج.
إذن قلنا: التفريق بين المختلفات، كيف نفرق بينها؟ التفريق يكون بحسب أسباب الاستحقاق، في العطاء مثلا، نفرض أن عندنا شخصان عندهما عوائل، لكن هذه العائلة عدد أفرادها كُثر، أو متولي أيتاما يربيهم، فهذا نعطيه أكثر وزيادة، ولا يُقال لي: لماذا أعطيت هذا أكثر وهذا أعطيته أقل!
إذن، الحاجة بسبب كثرة العدد، نحن لو كنا نقسم عطاءات أو أشياء؛ فيمكن أن نراعي أسبابًا معينة؛ كأن يكون البعض يعيشون في بلدان أو مناطق الأسعار فيها مرتفعة جدًا، ومواصلاتها مكلفة جدًا أو نحو هذا؛ فبحسب حاجات الناس، ولهذا مذهب سيدنا عمر - رضي الله عنه - في العطاء -في القسمة وفي الفيء وغيرها- من بيت المال، قال: «الرجل وحاجته، والرجل وسابقته في الإسلام، والرجل وغَناؤه في الإسلام» (1) اعتبر ثلاثة أشياء، ويمكن أن يقاس عليها غيرها.
«الرجل وغناؤه» غَناء بالفتح، أغنى يغني يعني: نفع {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) } [الحاقة] ؛ وأما الغِناء -بالكسر-: فهو المطرب الخبيث، ويعني: نفعه، جدواه، بلاؤه؛ فغناؤه يعني: حسن بلائه ونفعه للإسلام، مثلًا أن يكون فارسًا أو مجاهدًا، اعتبره سيدنا عمر وقدمه في العطاء.
(1) مسند أحمد (292) وصححه أحمد شاكر في تحقيقه لمسند أحمد.